بعد صدمة سبتة... كيف تغيّرت مقاربة أوروبا للهجرة غير النظامية؟
في وقت كانت أوروبا تمضي أصلاً نحو تشديد سياسات الهجرة وتسريع إعادة المهاجرين غير النظاميين إلى خارج حدودها، جاءت أحداث سبتة لتسرّع هذا التوجه، ولتدفع نحو مزيد من التشدّد في ضبط الحدود ومنع وصول المهاجرين، بعدما تحوّلت أزمة على الحدود الإسبانية - المغربية إلى قضية أمنية وسياسية امتدّت تداعياتها إلى داخل فضاء شينغن نفسه.
وأظهرت محاولة نحو 72 ألف مهاجر الوصول إلى الجيب الإسباني في نهاية تموز/يوليو هشاشة الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي عندما تعتمد بدرجة كبيرة على تعاون دول الجوار، فيما أعادت الخلافات التي أعقبت الأزمة السؤال حيال قدرة أوروبا على التوفيق بين تشديد الرقابة على الهجرة والحفاظ على حرية التنقل في داخلها.
من سياسة الإعادة إلى أمن الحدود
لم يبدأ الاتجاه الأوروبي نحو التشدد مع أحداث سبتة. ففي 1 حزيران/يونيو، توصل مجلس الاتحاد الأوروبي والبرلمان الأوروبي إلى اتفاق على قواعد جديدة لإعادة المهاجرين الذين لا يملكون حق البقاء، تتضمن للمرة الأولى إطاراً أوروبياً يسمح بإنشاء "مراكز إعادة" في دول ثالثة.
وتتيح القواعد الجديدة للدول الأعضاء إنشاء هذه المراكز لنقل أشخاص صدرت بحقهم قرارات إعادة، بحيث يمكن أن تكون وجهة نهائية أو محطة لتسهيل إعادتهم لاحقاً إلى بلدانهم الأصلية أو دول أخرى، ضمن شروط وضمانات قانونية.
لذلك، لم تدفع أحداث سبتة أوروبا إلى تبني فكرة نقل جزء من إدارة ملف الهجرة إلى خارج حدودها، بقدر ما منحت هذا الاتجاه زخماً سياسياً وأمنياً إضافياً، ونقلت الأولوية من النقاش بشأن أدوات الإعادة إلى كيفية منع تكرار تدفقات جماعية مماثلة.
وفي 4 آب/أغسطس، عقب الأحداث بأيام، استحوذ ملف الهجرة على جانب كبير من اجتماع طارئ لوزراء داخلية الاتحاد الأوروبي، الذين دعوا إلى تشديد مكافحة شبكات تهريب البشر، وتعزيز سياسات الإعادة، وتوسيع التعاون مع الدول من خارج الاتحاد للحد من الهجرة غير النظامية.
وسعت إيطاليا خلال الاجتماع إلى الدفع نحو إنشاء مراكز ممولة أوروبياً خارج الاتحاد، في امتداد لسياسة تقودها رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني منذ فترة لنقل جزء أكبر من إدارة ملف الهجرة إلى دول ثالثة.
الخلاف على الطريقة لا على الهدف
لكن الاجتماع لم يفض إلى تبنٍّ أوروبي للصيغة الإيطالية، ما يعكس استمرار الخلاف حيال كيفية تطبيق سياسة أكثر تشدداً، خصوصاً في ظل الإشكالات القانونية والحقوقية المرتبطة بظروف احتجاز المهاجرين والضمانات المتاحة لهم في الدول التي قد تستضيف هذه المراكز.
ويرى مراقبون أن الخلاف داخل الاتحاد يتعلّق بصورة متزايدة بآليات التنفيذ والضمانات القانونية والسياسية، فيما يتّسع التوافق على تشديد الرقابة على الحدود وتسريع إعادة من لا يحق لهم البقاء.
ويقول الباحث الليبي المتخصص في شؤون الهجرة، طارق لملوم، لـ"النهار" إن أحداث سبتة "ستدفع بالتأكيد نحو مزيد من التشدد وتسريع البحث عن آليات لإبقاء المهاجرين خارج الحدود الأوروبية".
ويعتبر لملوم أن ليبيا تشكل مثالاً لسياسات ينفذ الاتحاد الأوروبي جزءاً منها عملياً منذ سنوات، حتى من دون الإعلان عن إنشاء مراكز لإعادة المهاجرين على أراضيها.
ويضيف: "قد يصعب على الاتحاد الأوروبي سياسياً وقانونياً الإعلان عن إنشاء مركز لترحيل المهاجرين إلى ليبيا، لكنه عملياً يُنفّذ منذ سنوات جزءاً من هذه السياسة بصورة غير مباشرة، من خلال دعم وتمويل خفر السواحل والجهات المعنية بمراقبة الحدود في شرقي ليبيا وغربيها، وتوفير الزوارق والمعدات والتدريب، إضافة إلى دعم قدرات المراقبة والتنسيق".
وبحسب لملوم، أسهمت هذه السياسة في تعزيز قدرات السلطات الليبية على منع مغادرة المهاجرين واعتراض القوارب وإعادتها إلى الأراضي الليبية، معتبراً أن "جزءاً مهماً من سياسة إبقاء المهاجرين وإعادتهم خارج أوروبا يُنفذ عملياً بالفعل".

حين عادت الحدود إلى داخل أوروبا
لكن أحد أبرز التغييرات التي أظهرتها أزمة سبتة وقع بعيداً من الحدود المغربية-الإسبانية نفسها.
فقد فرضت إيطاليا ضوابط على القادمين من إسبانيا بعد التدفّق الكبير إلى سبتة، مركزة إجراءاتها على مواطني الدول غير الأعضاء في الاتحاد، ومبرّرة القرار بمخاطر انتقال مهاجرين من إسبانيا إلى دول أوروبية أخرى.
وأثار القرار مواجهة سياسية مع مدريد، قبل أن تفرض إسبانيا بدورها ضوابط موقتة على الرحلات الجوية والبحرية القادمة من إيطاليا. وفي أول أيام تطبيقها، دققت السلطات الإسبانية في أوضاع نحو 200 مسافر على 12 رحلة وصلت إلى 6 مطارات رئيسية.
وهكذا، تحولت أزمة بدأت عند إحدى الحدود الخارجية للاتحاد إلى سبب لإعادة ضوابط بين دولتين عضوين في فضاء شينغن، في مؤشر إلى أن تداعيات الهجرة لا تتوقف عند نقاط الدخول إلى أوروبا، ويمكن أن تعيد إنتاج الخلافات داخلها.
وفي تصريح سابق لـ"النهار"، يرى الناشط الحقوقي المقيم في إيطاليا مجدي الكرباعي أن أوروبا لا تخفي منذ سنوات توجهها نحو تعزيز "البعد الأمني" في سياستها المتعلقة بالهجرة، عبر توسيع الشراكات مع دول العبور والمنشأ، وزيادة الدعم لعمليات مراقبة الحدود وبرامج إعادة المهاجرين.
لكنه يشدد على أن المقاربة الأمنية وحدها لا تكفي لمعالجة أزمة الهجرة، مشيراً إلى الإشكالات القانونية والسياسية التي تواجه إنشاء مراكز للإيواء أو معالجة طلبات اللجوء وإعادة المهاجرين خارج أراضي الاتحاد.
ويستحضر في هذا السياق الخطة البريطانية لنقل طالبي اللجوء إلى رواندا، التي واجهت عراقيل قانونية وسياسية كبيرة قبل أن تلغيها حكومة كير ستارمر بعد وصولها إلى السلطة في تموز/يوليو 2024.
مشكلة الاعتماد على دول الجوار
كشفت سبتة في الوقت نفسه مفارقة أساسية في الاستراتيجية الأوروبية: فكلما زاد اعتماد الاتحاد على دول الجوار لمنع تدفقات المهاجرين قبل وصولهم إلى أراضيه، ازدادت حساسيته تجاه أي تراجع في مستوى التعاون مع هذه الدول.
وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية مع انتقال تداعيات الأزمة إلى العلاقات بين مدريد والرباط. ففي 12 آب/أغسطس، رفضت إسبانيا فتح أي نقاش بشأن سيادتها على سبتة ومليلية بعدما أعاد وزير العدل المغربي عبد اللطيف وهبي طرح مطالبة بلاده بالجيبين.
وفي موازاة ذلك، عزز المغرب انتشاره الأمني قرب سبتة ومليلية على خلفية دعوات عبر مواقع التواصل الاجتماعي لتنفيذ محاولة عبور جماعية جديدة في 15 آب/أغسطس، في مسعى لمنع تكرار مشاهد نهاية تموز/يوليو.
ويكشف تزامن ملف الهجرة مع عودة الخلاف بشأن السيادة وجهاً آخر للمشكلة الأوروبية، إذ لم تعد العلاقة مع دول الجوار مرتبطة حصراً بضبط الحدود، وإنما باتت جزءاً من معادلة سياسية أوسع تستطيع فيها ملفات الهجرة والأمن والعلاقات الثنائية التأثير بعضها في بعض.
هكذا، لم تبدأ سبتة التحول الأوروبي نحو التشدد، لكنها غيّرت إيقاعه وأولوياته. فبعدما تركز النقاش على إعادة المهاجرين وإقامة مراكز خارج الاتحاد، تقدم أمن الحدود ومنع انتقال الوافدين بين الدول الأوروبية وتعزيز الشراكات مع دول العبور إلى واجهة المقاربة.
في المقابل، كشفت الأزمة كلفة هذه السياسة؛ فكلّما دفعت أوروبا إدارة حدودها أبعد نحو الجنوب، ازدادت حاجتها إلى تعاون دول الجوار، فيما أظهرت سبتة أن أزمة واحدة على الحدود الخارجية للاتحاد قادرة على إعادة الحواجز والخلافات إلى داخله.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
هل كان التعثر المالي وراء وفاته؟
نبض