كيف استهدفت أوكرانيا "وهم الحياة المريحة" لموسكو؟
في الأول من تموز/يوليو، عدّلت "وايلدبريز"، أكبر منصة للتجارة الإلكترونية في روسيا، عقودها لتسقط مسؤوليتها عن البضائع التي تتلف في الضربات الصاروخية وهجمات المسيّرات. وبعد 11 يوماً من سريان البند، احترق أول مستودعين تابعين لها.
ومن ليلة 17 إلى 18 تموز/يوليو حتى 7 آب/أغسطس، أحصت مراجعة لـ"رويترز" تعرض ما لا يقل عن 20 موقعاً للشركة لهجمات أو أضرار، امتدت من محيط موسكو وسان بطرسبرغ إلى القرم ويكاترينبورغ، على بعد أكثر من 2,000 كيلومتر من الحدود الأوكرانية. لكن الحملة استمرت بعد ذلك، إذ تعرض مركز لوجستي تابع لـ"وايلدبريز" في منطقة فورونيج لهجوم جديد بالمسيّرات في 11 آب، أدى إلى حريق ومقتل شخص وإصابة اثنين آخرين.
وفي 13 آب/أغسطس، أفادت تقارير باندلاع حريق في مجمع مستودعات تابع للشركة في باشكورتوستان عقب هجوم بالمسيّرات استهدف المنطقة، بالتزامن مع حريق في منشأة "غازبروم نفطخيم سالافات"، ما يشير إلى استمرار الحملة واتساع نطاقها الجغرافي.
وقُتل 8 عمال وأصيب أكثر من 70 في الليلة الأولى، فيما قُتل 5 آخرون لاحقاً داخل مستودع لم تتحدد ملكيته. وقدرت خسائر البضائع بنحو 170 مليار روبل، بينما أظهرت مراجعة لـ"رويترز" حتى 7 آب أن أكثر من خمس الطاقة التخزينية للشركة تضررت أو دمرت. وامتدت تداعيات الضربات إلى القطاع المصرفي، إذ أوصى "بنك روسيا" في 10 آب/أغسطس بإعادة هيكلة قروض المشروعات المتضررة.
وبدأت التداعيات تتجاوز الخسائر المادية المباشرة، مع ظهور مؤشرات إلى تأثر النشاط التجاري المرتبط بالمنصة. وأفادت تقارير روسية في 12 آب/أغسطس بتراجع ملحوظ في إنفاق المعلنين على "وايلدبريز" منذ بدء الهجمات، في مؤشر إلى انتقال أثر الحملة من شبكة التخزين والتوزيع إلى النشاط التجاري نفسه.
السردية الأوكرانية
تستند الرواية الأوكرانية إلى حجة معلنة مفادها أن مستودعات "وايلدبريز" ليست مدنية بالكامل. ففي أول بيان بعد ضربات 18 تموز/يوليو، قال الرئيس فولوديمير زيلنسكي إن المنشآت المستهدفة كانت تُستخدم "لتوريد مكونات خاضعة للعقوبات لإنتاج المسيّرات ومعدات الملاحة".
وبعد ستة أيام، أكد أن "العملية ضد اللوجستيات الروسية التي تزوّد جيش الاحتلال بمكونات المسيّرات والعتاد العسكري لا تزال جارية". وتجنب ذكر "وايلدبريز" بالاسم، مستخدماً تعبير "منشآت لوجستية".
Today, our long-range sanctions worked across three areas on Russian territory, as well as on our temporarily occupied land and at sea. In particular, in response to Russian strikes on our civilian infrastructure and on our cities and communities, two major logistics facilities… pic.twitter.com/oK87chn24u
— Volodymyr Zelenskyy / Володимир Зеленський (@ZelenskyyUa) July 18, 2026
مبرر آخر أكثر وضوحاً تكشفه تصريحات روبرت بروفدي، المعروف باسمه العسكري "ماديار"، قائد قوات الأنظمة غير المأهولة، إذ يعد الوحيد الذي يتحدث عن الحملة بلا مواربة ويحصي ضرباتها علناً. وقال عبر موقع "تليغرام" إن الغرض أن تُدمّر "في ثوانٍ، وهم الوجود المسالم المريح لدى السكان المطيعين في الدولة المعتدية".
وبعد ضربة سامارا في 2 آب/أغسطس، كتب: "الخطّاف الناجح العاشر، لكنه بالتأكيد ليس الأخير في معركة التوت". وألمح إلى منافستها "أوزون" بعبارة ملغّزة عن "تركيزات الأوزون" التي "تتجاوز الحد الحرج"، فهبط سهمها 11 بالمئة.
وثمة تبرير آخر غير رسمي نقله مراسل "فايننشال تايمز" كريستوفر ميلر عن مسؤول أوكراني رفيع، مفاده أن الحملة جاءت رداً على استهداف روسيا مراكز "نوفا بوشتا" الأوكرانية.
وخضعت الشركة الروسية ومالكتها تاتيانا كيم لعقوبات أوكرانية منذ 2021 على خلفية بيع أزياء عسكرية روسية، وفرض الاتحاد الأوروبي في تموز/يوليو عقوبات على ذراعها المصرفية. وكان قسم "كل شيء من أجل العملية العسكرية الخاصة" على المنصة يضم أكثر من 200 ألف منتج، واختفى من نتائج البحث بعد بدء الضربات.
ولم تعلن أوكرانيا سبب استهداف "وايلدبريز" دون "أوزون"، التي رصدت مراجعة أجرتها "مدوزا" عدداً أكبر من طلبات مكونات المسيّرات عبرها، فيما بقيت منشآتها بمنأى عن الضربات حتى الآن.
وفي الجانب الروسي، وصف الكرملين المستودعات بأنها منشآت مدنية بحتة وعدّ الضربات "أعمالاً إرهابية"، وفتحت لجنة التحقيق قضية بموجب مادة الإرهاب، عوضاً عن المادة المتعلقة بوسائل الحرب المحظورة.
وفي تسجيل مصوّر في 31 تموز/يوليو، قالت مالكة الشركة تاتيانا كيم إن مستودعاتها مدنية حصراً، وردّت على اتهامات بيع سلع عسكرية بقولها: "يمكنكم فتح أمازون أو علي بابا وتروا إن كان لدينا شيء ليس لديهم". وأعلنت الشركة أنها لا تتحمل التزاماً قانونياً بتعويض البائعين، وخصّصت مليوني روبل لأسرة كل قتيل ومليوناً لكل مصاب إصابة بالغة.

مشروعية الهجمات
ومن جهتها، تقول البروفيسورة يانينا ديل، أستاذة الأمن العالمي في جامعة أوكسفورد والمديرة المشاركة لمعهد الأخلاقيات والقانون والنزاع المسلح فيها، في حديث لـ"النهار"، إن أي منشأة يجب أن تجتاز اختباراً من شقين لتصير هدفاً عسكرياً؛ الأول أن تقدّم "إسهاماً فعّالاً في العمل العسكري"، والثاني أن يحقق الهجوم عليها "ميزة عسكرية أكيدة".
فتخزين أسلحة أو أجزاء حاسمة منها قد يستوفي الشرط الأول، في حين أن "النشاط التجاري المدني وحده، حتى لو كانت العائدات المتأتية منه تدعم المجهود الحربي الأوسع، لا يرقى عموماً إلى مرتبة الإسهام الفعّال".
وتضيف أن "الميزة يجب أن تكون عسكرية، لا اقتصادية فحسب"، وأن تخزين مكونات المسيّرات لا يغيّر هذا التوصيف إلا بدليل على أنها "معدّة للاستخدام العسكري"، إذ لا تكون الميزة أكيدة إن كانت "تخمينية محضة". وتشدد على ضرورة أن يُقيَّم كل مستودع على حدة، عوضاً عن التعامل مع الشبكة ككتلة واحدة، وأن على المهاجم أن يقدّر مسبقاً الإصابات المتوقعة بين العمال المدنيين ويقللها إلى أدنى حد، ثم يحدد ما إذا كان الهجوم متناسباً.
وتصحح ديل خطأً شائعاً في تناول القضية، فتصف عبارة "مزدوج الاستخدام" بأنها "ليست فئة قانونية"؛ ذلك أن القانون لا يعرف صنفاً ثالثاً بين المدني والعسكري، ويفترض أن الشيء مدني ما لم يجتز الاختبار ذا الشقين.
وعليه، فالخلاف هنا على ما كان مخزّناً في المستودعات فعلاً، وليس على القاعدة نفسها، إذ إن تعريف الهدف العسكري "مقبول على نطاق واسع"، وهو المعيار الذي تُقاس به حالة كهذه. وتلك هي المسافة التي تفصل ما تقوله كييف عمّا يقوله القانون.
وتحذر لورا سولانكو، كبيرة المستشارين في معهد بنك فنلندا للاقتصادات الناشئة، في حديث لـ"النهار"، من افتراض أن هذه الضربات قد تقود إلى انهيار الاقتصاد الروسي. فاقتصادات السوق، بحسبها، تميل إلى التكيف مع الصدمات الخارجية، وإن كان ذلك بكلفة مؤلمة، فيما يتركز النمو الروسي بصورة متزايدة في القطاعات المرتبطة بالمجهود الحربي، بينما يعاني باقي الاقتصاد من الركود.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
هل كان التعثر المالي وراء وفاته؟
نبض