أزمة سبتة... هل تخرج إسبانيا من فضاء شنغن؟
تسلط أزمة الهجرة في سبتة الضوء على انقسامات الاتحاد الأوروبي حول سياسة الهجرة وأمن الحدود وتحديات التعاون بين الدول الأعضاء.
عاشت أوروبا إحدى أكبر أزمات الهجرة منذ سنوات، بعدما قدرت السلطات الإسبانية عدد الأشخاص الذين تمكنوا من دخول جيب سبتة بنحو 60 ألف مهاجر خلال أيام قليلة، قبل أن تعلن وزارة الداخلية الإسبانية إعادة أكثر من 48 ألفاً منهم إلى المغرب، في عمليةٍ واسعة لإعادة فرض السيطرة على الحدود. كما أسفرت الأزمة عن مقتل ما لا يقل عن 34 شخصاً، معظمهم غرقاً أثناء محاولات العبور، وفق الأرقام الرسمية الإسبانية.
وأعادت أزمة الهجرة الأخيرة فتح أحد أكثر الملفات حساسيةً داخل الاتحاد الأوروبي، لكنها هذه المرة لم تقتصر على كيفية ضبط الحدود أو التعامل مع المهاجرين، بل تحولت سريعاً إلى مواجهة سياسية بين حكومات أوروبية، وكشفت اتساع الفجوة بينها بشأن مستقبل سياسة الهجرة وحرية التنقل داخل فضاء شنغن.
غضب وانقسام أوروبي
في قلب هذا الانقسام، تقف حكومة رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، التي تتبنى منذ سنوات مقاربةً أكثر انفتاحاً إزاء الهجرة مقارنة بعدد متزايد من الحكومات الأوروبية التي تتجه نحو تشديد سياساتها.
جاء الموقف الأكثر حدة من إيطاليا، إذ دعت رئيسة الوزراء جيورجيا ميلوني إلى تعليق مشاركة إسبانيا في فضاء شنغن، بتأييد من فنلندا والدانمارك.
ولم يبق الموقف الإيطالي في إطار التصريحات. فقد أعادت روما فرض عمليات تدقيق على حدودها الجوية والبحرية مع إسبانيا، تستهدف المواطنين من خارج الاتحاد الأوروبي.
في المقابل، رفض الاتحاد الأوروبي فكرة استبعاد إسبانيا من منطقة شنغن، مؤكداً أن القوانين الأوروبية لا تتضمن أي آلية قانونية تسمح بطرد دولة عضو من الاتفاقية، فيما تسمح فقط بإعادة فرض الرقابة الحدودية بصورة موقتة عند وجود تهديد خطير للأمن أو تدفقات واسعة للمهاجرين.
أما فرنسا، فاتخذت مساراً أقل تصعيداً، لكنها عززت بدورها الإجراءات الأمنية، ورفعت عدد عناصر الشرطة والدرك المنتشرين عند حدودها مع إسبانيا خمس مرات، بناءً على طلب الرئيس إيمانويل ماكرون تشديد عمليات التدقيق.
في مواجهة هذه الضغوط، رفض سانشيز تحميل بلاده وحدها مسؤولية أزمة أوروبية أوسع. وقال: "التضامن والتعاطف أمران اختياريان. أما احترام المعاهدات الأوروبية والبيانات فليس كذلك"، قبل أن يشدد على أن الوقت ليس للانقسام، بل لمواصلة بناء "اتحاد أوروبي قوي ومتحد".

لكن المشكلة بالنسبة إلى سانشيز تتجاوز الأزمة الحالية. فسياسة حكومته إزاء الهجرة تثير منذ مدة انتقادات داخل أوروبا. إذ يرى خبراء أن الأزمة تعود إلى مجموعة عوامل متداخلة، أبرزها حكم أصدرته المحكمة العليا الإسبانية في الثامن من تموز/يوليو الماضي، حدّ من إمكان الإعادة الفورية للمهاجرين الذين يصلون بحراً، إضافة إلى توقعات بإجراءات حكومية جديدة لتسوية أوضاع بعض المهاجرين غير النظاميين، وهو ما عزز الاعتقاد بإمكان البقاء داخل الأراضي الإسبانية.
اهمية سبتة
ولا تقتصر أهمية سبتة على كونها نقطة عبور للمهاجرين، بل تمثل الحدود البرية الوحيدة بين أفريقيا والاتحاد الأوروبي، ما يجعل أي اضطراب فيها قضية أوروبية بامتياز.
ورغم المشاهد التي أوحت لكثيرين أن المهاجرين وصلوا إلى أوروبا، فإن الواقع مختلف؛ إذ لا يستطيع من يدخل سبتة الانتقال تلقائياً إلى الأراضي الإسبانية أو بقية دول الاتحاد، بل يبقى داخل الجيب الخاضع لإجراءات أمنية صارمة، فيما تواصل السلطات عمليات الفرز وإعادة القسم الأكبر من الوافدين إلى المغرب.
وبينما تمكنت مدريد من إعادة عشرات الآلاف خلال أيام، فإن الأزمة كشفت مجدداً هشاشة سياسة الهجرة الأوروبية، وأعادت إلى الواجهة الانقسامات داخل الاتحاد بشأن حماية الحدود، وتقاسم المسؤولية، والتعامل مع موجات الهجرة القادمة من الضفة الجنوبية للمتوسط.
لماذا ردة الفعل الأوروبية حادة؟
ويقول الباحث في الشؤون القانونية والسياسية إبراهيم شاهين لـ"النهار" إن "حدّة رد الفعل الأوروبي تعود إلى أن ما حدث لم يُنظر إليه على أنه أزمة إسبانية داخلية، بل باعتباره مساساً بأمن الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي ككل"، لافتاً الى أن "إسبانيا لا تحمي حدودها الوطنية فحسب، بل تحمي أيضاً إحدى البوابات الرئيسية إلى فضاء شنغن، وبالتالي فإن أي خلل في ضبط هذه الحدود ينعكس على جميع الدول الأعضاء".
ويضيف: "أزمة سبتة تعكس انقساماً أعمق من مجرد الخلاف على الهجرة. فهي تكشف تبايناً واضحاً بين دول تدعو إلى تشديد الرقابة على الحدود واعتماد سياسات أكثر صرامة، وأخرى تفضل مقاربة تقوم على التعاون مع دول المنشأ والعبور، مع الحفاظ على الالتزامات القانونية والإنسانية".
لذلك، يمكن القول بحسب شاهين، إن أزمة سبتة "ليست مجرد خلاف على الهجرة، بل هي مؤشر على انقسامٍ أوروبي أوسع بشأن مستقبل سياسة الهجرة، وحدود التضامن بين الدول الأعضاء، وكيفية الموازنة بين الاعتبارات الأمنية والالتزامات الإنسانية".
هل أوروبا منقسمة؟
من جهته، يقول الدكتور في الجغرافيا السياسية رامي أبو دياب لـ"النهار" إن "هذه ليست أزمة هجرة كلاسيكية، بل هي بالأحرى اضطراب في عملية التعاون الإسباني- المغربي"، ويضيف: "مع ذلك، ثمة تعاون بين إسبانيا والمغرب لإدارة هذا الوضع، ولا شك في أن هذا التعاون سيجد حلاً".
ويرى أن التصريحات الإيطالية "كما صرح وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس ذات طبيعة شعبوية"، لافتاً الى "أن الأمر يتعلق في المقام الأول بالاستجابة لضغوط الرأي العام الإيطالي"، ومشدداً على أنه "لا يبدو أن هناك انقساماً داخل الاتحاد الأوروبي".
ويضيف أنه "من جهة، لا تنص اتفاقات شنغن قانوناً على أي سيناريوات استبعاد أحادية الجانب. ومن جهة أخرى، إذا وصل شخص مغربي إلى سبتة بطريقة غير شرعية، فإن ذلك لا يمنحه الحق في التنقل بحرية في البر الأوروبي، إذ يتعين عليه الخضوع لفحوصات الهوية والجمارك إما في المطار وإما في الميناء".
نبض