آندي بورنم وحلم العمال الجديد... وجه مختلف أم مسار واحد؟
يوم الاثنين 20 تموز/يوليو 2026، وقف آندي بورنم أمام بوابة داونينغ ستريت وأدى اليمين رئيساً للوزراء، ليصبح سابع رئيس وزراء بريطاني في عقد واحد فقط. الحدث لم يكن مجرد إجراء بروتوكولي لتغيير رئيس وزراء بآخر، إنما كان أشبه بلحظة درامية في تاريخ السياسة البريطانية.
فـ"ملك الشمال"، كما يلقبه أنصاره، جاء محمولاً على أكتاف فوز انتخابي كاسح، ووصف وصوله بأنه "لحظة فاصلة" لمسار سياسي بدا وكأنه استنفد طاقته تحت قيادة سلفه كير ستارمر.
لكن ما يستحق التأمل بالفعل هو عدد الذين تولوا المنصب في عشر سنوات، فالرقم يستحق التأمل وحده. فقد أدى هذا المعدل المرتفع لتغيير القادة إلى تآكل ثقة الجمهور في المؤسسات، قبل أن نقيّم ما الذي جاء به هذا الرجل الجديد، وما إذا كانت بريطانيا أمام تحول حقيقي أم مجرد تبديل للوجوه في مسلسل يبدو أنه بلا نهاية.
والسؤال الذي يطرح نفسه، بينما يستقر رئيس الوزراء في مكتبه الجديد، هل يمثل بورنم وجهاً جديداً حقاً لـ"حزب العمال"، أم أنه مجرد استمرار للمسار ذاته بلمسة أكثر جاذبية؟
من مانشستر إلى داونينغ ستريت
بورنم ليس وجهاً جديداً على السياسة البريطانية، فقد أمضى سنوات في البرلمان، وتولى مناصب وزارية في حكومتي توني بلير وغوردون براون، كما خاض سباق قيادة "حزب العمال" أكثر من مرة قبل أن يصنع لنفسه قاعدة سياسية مختلفة عندما أصبح عمدةً لمانشستر الكبرى.
هذا المنصب منحه شيئاً نادراً، إذ اكتسب سمعته باعتباره سياسياً قريباً من هموم المواطنين، ودافع عن توسيع صلاحيات الأقاليم، وطوّر منظومة النقل العام، وخاض مواجهات متكررة مع الحكومة المركزية دفاعاً عن مصالح المناطق الشمالية، وهذا هو رصيده الذي دخل به معركة الخلافة.
جاء فوز بورنم بالزعامة شبه محسوم، إذ حظي بتأييد 379 من أصل 403 نواب عماليين في مجلس العموم، في مشهد أقرب إلى التتويج منه إلى التنافس. ذلك أن ستارمر أعلن استقالته بعد أن أنهكته موجة تمرد داخل الحزب، في أعقاب نتائج كارثية للانتخابات المحلية في أيار/مايو الماضي، وتراجع شعبية حزبه أمام حزب الإصلاح الشعبوي اليميني.

سنوات من عدم الاستقرار ووعود بالتغيير
يرث الزعيم الجديد لـ"حزب العمال" المملكة المتحدة التي اتسمت بسنوات من عدم الاستقرار السياسي في أعقاب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ولهذا السبب تعهد للشعب البريطاني بـ"الوحدة والاستقرار".
في خطابه الأول، أطلق بورنم جملاً لافتة، إذ وعد بـ"نموذج سياسي جديد ونموذج اقتصادي جديد"، وهاجم إرث مارغريت تاتشر في الخصخصة والمركزية واستنزاف الأقاليم الصناعية التي لم تتعافَ حتى اليوم. وتعهد بأن يعيد إلى المواطنين البسطاء السيطرة على الضروريات الأساسية في حياتهم: الطاقة والمسكن والمياه.
لكن هل هذا كافٍ ليكون مختلفاً؟ نرى أن الإجابة: ليس بعد، وربما لن يكون.
اقتصاد مثقل وهامش ضيق
بالنسبة إلى الاقتصاد، يصطدم بواقع معقد. فبريطانيا لا تزال تعاني معدلات نمو ضعيفة منذ الأزمة المالية العالمية، إذ لم تتجاوز 1.5% سنوياً منذ عام 2009، مقارنة بـ3% في السنوات الخمس عشرة السابقة للأزمة المالية الكبرى.
فيما ارتفع الدين العام إلى مستويات تاريخية لم تشهدها البلاد منذ ستينيات القرن الماضي، كما ارتفعت فاتورة فوائد الدين إلى 111 مليار جنيه استرليني، أي ما يعادل 8.3% من الإنفاق الحكومي في السنة المالية المنتهية في نيسان/أبريل الماضي. وأصبحت خدمة هذا الدين تستنزف جزءاً كبيراً من الإنفاق الحكومي.
لذلك، جاءت أولى قرارات حكومة بورنم حذرة، إذ أعلنت إلغاء الضريبة على الكهرباء المنزلية لمدة ستة أشهر، في خطوة تستهدف تخفيف أعباء المعيشة على الأسر، مع تمويل القرار من خلال إلغاء بعض المشروعات الحكومية، في محاولة لإرسال رسالة مزدوجة: دعم المواطنين دون الإخلال بالانضباط المالي أو إثارة مخاوف الأسواق.
ورغم أن الإجراء صغير برمزية كبيرة، فإنه يكشف في الوقت ذاته مدى ضيق هامش المناورة.
إرث ثقيل وتوقعات مرتفعة
ما يميز بورنم فعلاً هو أسلوبه ومنهجه في السياسة أكثر من أجندته الاقتصادية. وسّع سعيه إلى التغيير ليشمل أسلوب إدارة الحزب والحكومة، إلى جانب السياسات الاقتصادية، مؤكداً أنه لا يسعى إلى منافسة الأحزاب الأخرى على خطابها، سواء كان بيئياً أو شعبوياً أو محافظاً، بل يريد إعادة صياغة هوية الحزب انطلاقاً من أولويات المواطنين اليومية.
فبورنم يعرض نفسه بوصفه شخصاً يمكن تصديقه، في زمن باتت فيه أزمة ثقة البريطانيين بالسياسة أعمق من أي أزمة اقتصادية. غير أن هذا بالضبط هو الفخ، فستارمر أيضاً وعد بسياسة جديدة وأخلاق جديدة.
المشكلة في بريطانيا لا تُحل بحسن النوايا أو الأسلوب، وإنما تحتاج إلى إجابات عملية: كيف ينمو الاقتصاد؟ كيف تُمول الخدمات العامة دون رفع الضرائب؟ وكيف تواجه خطاباً شعبوياً يستمد قوته من يأس الناخبين؟
ربما يكون الفارق أنه يعرف أرض الواقع من خبرة ميدانية حقيقية في مانشستر، لا من مكتب وستمنستر. لكن إدارة مدينة وقيادة دولة يبلغ عدد سكانها سبعين مليون نسمة تظل تحدياً لا تستطيع سيرة ذاتية أو خبرة محلية وحدها تجاوزه.

سياسة خارجية بين الاستمرارية والتغيير
على الصعيد الخارجي، يبدو أن بورنم يحاول الموازنة بين الاستمرارية والتمايز. فمكالماته الأولى مع الرئيسين الأميركي دونالد ترامب والأوكراني فولوديمير زيلينسكي تعكس رغبة في الحفاظ على مكانة بريطانيا الدولية، لكن نبرته تجاه الاتحاد الأوروبي توحي برغبة في علاقة أكثر دفئاً، دون إعادة فتح الجدل حول العودة إلى عضويته.
في الختام، يمكن القول إن بورنم يمثل "فرصة أخيرة" لـ"حزب العمال" إذا استطاع تجاوز القيود الاقتصادية والمالية التي قد تفرض عليه السير في الطريق نفسه.
فالنتيجة في النهاية ستحسمها قدرة الحكومة الجديدة على تحقيق نتائج ملموسة في حياة البريطانيين، لا الخطب والشعارات.
نبض