حرب أوكرانيا تدخل مرحلة استنزاف... كلفتها تتجاوز مكاسب بوتين؟
تستهدف أوكرانيا روسيا بطائرات مسيرة، وتواجه موسكو تحديات ميدانية رغم استمرار الحرب وتصاعد الضغوط العسكرية والاقتصادية على الطرفين.
بعد أكثر من أربع سنوات على اندلاع الحرب، تواجه روسيا تحديات ميدانية متزايدة مع تنامي فعالية الطائرات المسيّرة الأوكرانية وتباطؤ تقدم قواتها. ومع ارتفاع الكلفة العسكرية والاقتصادية، لا تظهر موسكو مؤشرات على التراجع عن أهدافها.
المسيّرات إلى العمق الروسي
باتت الطائرات المسيّرة الأوكرانية تستهدف خطوط الإمداد والمنشآت النفطية والبنية التحتية العسكرية داخل الأراضي الروسية، ما ألحق أضراراً وتسبب بأزمة وقود في عدد من المناطق.
ورغم استمرار القوات الروسية في تحقيق تقدمٍ محدود في دونيتسك، فإن وتيرة هذا التقدم تباطأت، فيما تشير تقديرات عسكرية غربية وأوكرانية إلى أن خسائرها البشرية باتت تفوق أعداد المجندين الجدد، وسط صعوبة في التكيف مع تكتيكات أوكرانيا الجديدة القائمة على الاستخدام الكثيف للطائرات المسيّرة والهجمات المضادة المحدودة، بحسب "وول ستريت جورنال".
في المقابل، تمكنت كييف من تحسين قدراتها العسكرية، وطورت منظومة دفاع متعددة الطبقة ضد المسيّرات الروسية، كما وسعت نطاق هجماتها لتصل إلى أهداف نفطية وعسكرية في عمق روسيا, وصولاً إلى سيبيريا، وهو ما فرض ضغوطاً على الدفاعات الجوية الروسية. فالمدى المتزايد والأعداد المتنامية للمسيّرات الأوكرانية يجعلان روسيا عاجزة عن حماية جميع أراضيها الشاسعة، ويجبران الكرملين على تحديد المدن والمنشآت التي تحظى بالأولوية في الحماية.
ميزة روسيا الكبرى
في المقابل، لا تزال روسيا تحتفظ بميزة مهمة تتمثل في تفوقها بالصواريخ الباليستية. وتعاني أوكرانيا نقصاً في صواريخ "باتريوت" اللازمة للتصدي لهذه الهجمات، في حين أقر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن الضربات بالصواريخ الباليستية هي "الميزة الكبرى الأخيرة لروسيا" في الحرب.
وفي محاولة لمعالجة هذا الخلل، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب منح أوكرانيا ترخيصاً لتصنيع أنظمة الدفاع الجوي "باتريوت"، بعدما أشاد بقدراتها في مجال الطائرات المسيّرة، في تحول عن تشكيكه السابق بأوراقها العسكرية. إلا أن مسؤولين أوكرانيين أكدوا أن بدء الإنتاج المحلي سيستغرق أشهراً عدة، وربما يمتد إلى عام أو أكثر، بسبب محدودية إنتاج بعض المكونات الأساسية عالمياً، بحسب وكالة "أ ب".

موسكو لن تتراجع؟
وتزامنت التطورات الميدانية مع تعديل في القيادة الأوكرانية، قالت كييف إنه يهدف إلى إعادة ترتيب أولويات الحكومة، وفي مقدمها تعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة، وتسريع الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وتأمين إمدادات السلاح، ودعم المناطق القريبة من الجبهة، في وقت ترى فيه أن مسار الحرب بدأ يتغير تدريجاً لمصلحتها.
ورغم الضغوط العسكرية والاقتصادية، لا تظهر موسكو استعداداً للتراجع عن أهدافها المعلنة، فيما يرى محللون أن الحرب دخلت مرحلة استنزاف جديدة، يتزايد فيها الضغط على روسيا، من دون مؤشرات حاسمة حتى الآن على اقتراب نهاية الصراع أو قبول الكرملين وقف النار.
دلالات التصعيد وتوقيته
ويقول الأكاديمي والباحث السياسي الدكتور أسعد العويوي، لـ"النهار"، إن "توقيت أي تصعيد أوكراني يمكن تفسيره من خلال عوامل عدة متداخلة".أولاً، استثمار الدعم الغربي، "فعندما تحصل أوكرانيا على مساعدات عسكرية أو استخباراتية جديدة، تميل إلى تكثيف العمليات لإظهار قدرة هذه المساعدات على تغيير المعادلة ميدانياً".
ثانياً، الضغط على روسيا. وبحسب العويوي، فإن "استهداف منشآت داخل الأراضي الروسية أو بنى تحتية عسكرية يهدف إلى رفع كلفة الحرب على موسكو، وإيصال رسالة بأن العمق الروسي لم يعد بمنأى عن الهجمات".
ثالثاً، تحسين الموقع التفاوضي. ويلفت إلى أن "تحقيق مكاسب أو إظهار القدرة على الاستمرار في القتال قد يمنح كييف موقفاً أقوى إذا عادت المفاوضات مستقبلاً".
ويؤكد العويوي أن ذلك لا يعني بالضرورة حسم ميزان القوى لمصلحة أوكرانيا، إذ لا يزال الطرفان يواجهان صعوبات كبيرة، بينما تُستخدم العمليات التصعيدية أيضاً لكسب الوقت وتحسين الظروف العسكرية والسياسية.
أما بالنسبة إلى الرسالة الموجهة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فمن المرجح أن أوكرانيا تسعى إلى إظهار أن استمرار الحرب سيظل مكلفاً لروسيا، لكن ما إذا كان ذلك سيغير حسابات الكرملين يبقى موضع نقاش. ويشير إلى أن القيادة الروسية أظهرت حتى الآن استعداداً لتحمل أكلاف مرتفعة في مقابل تحقيق أهدافها، ولذلك قد لا تكون الهجمات وحدها كافية لتغيير الاستراتيجية الروسية.
ويخلص إلى أن التطورات الأخيرة تشير إلى استمرار نمط التصعيد المتبادل، بحيث تؤدي الهجمات من أحد الجانبين غالباً إلى ردود أكبر من الجانب الآخر، ما يزيد من صعوبة احتواء الصراع أو التوصل إلى تهدئة في المدى القريب.
نبض