الناتو ورفع الإنفاق الدفاعي... هل يندم ترامب؟
نجح الرئيس الأميركي دونالد ترامب في دفع الناتو إلى زيادة إنفاقها الدفاعي ليبلغ 2 في المئة من حجم ناتجها القومي. لكنه لم ينتبه لتفصيل مهمّ.
مرّ الحوار حول العلاقات الدفاعية بين أوروبا والولايات المتحدة من مرحلة "تقاسم الأعباء" بين الطرفين إلى "نقل الأعباء"، لتتحمل أوروبا وزرها الأكبر. حصل ذلك بفعل تطورات عدة.
اتفقت دول حلف شمال الأطلسي (ناتو) على رفع الإنفاق الدفاعي إلى 2 في المئة من ناتجها المحلي الإجمالي سنة 2006. ذهب هذا الرقم طي النسيان إلى أن تذكره الأوروبيون مجدداً بعد ضم روسيا للقرم سنة 2014. حينها، جدّدوا تعهّدهم وحدّدوا سنة 2024 موعداً نهائياً لتحقيق هدفهم. مبدئياً، نجحت كل تلك الدول ببلوغ العتبة بحسب تقديرات الناتو لسنة 2025. واتفقوا السنة الماضية على أن يبلغوا عتبة الـ 5 في المئة سنة 2035. بإمكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب ادعاء الكثير من الفضل في ذلك... موقتاً.
ترامب والناتو... ما وراء الاشتباك "الإنفاقي"
حين ضغط على الأوروبيين لزيادة الإنفاق الدفاعي، لم يكن ترامب مهتماً كثيراً بالجاهزية الدفاعية للحلف. فهو لم ينظر يوماً إلى روسيا باعتبارها تهديداً للولايات المتحدة أو الغرب. كانت المطالبة إلى حد بعيد تبريراً لرسم بداية الافتراق عن أوروبا. في اليوم الأول للقمة التي تستضيفها تركيا، حذّر ترامب القارّة من الذهاب بعيداً في قضية استقبال المهاجرين. تمثّل هذه القضية نقطة اختلاف فكرية أساسية بين ضفتي الأطلسي، بل يمكن القول إنها السبب الأهم الذي يقف خلف معظم التوترات الثنائية.
وذكّر ترامب أيضاً بأن قضية غرينلاند لا تزال حاضرة في سلسلة أسباب الاستياء الأميركي. مجرد التفكير بأن قضية غرينلاند لا تُحلّ إلا عبر قبول الدنمارك ببيعها إلى الولايات المتحدة، لا عبر اتفاق من داخل الناتو أو حتى عبر الاتفاقية الدفاعية المشتركة بين البلدين (1951)، يوضح أن نظرة ترامب إلى الحلف وأوروبا تكتيكية إلى حد بعيد. ونادراً ما ناقش ترامب الإنفاق الدفاعي من زاوية دفاعية وتقنية بحتة، كالدفاع عن حاجة أميركا إلى تركيز جهودها في شرق آسيا بسبب صعوبة توزيع الأعباء على أكثر من مسرح مثلاً.
ترامب والتمني "الخطير"
عندما يدفع أوروبا إلى رفع سقف إنفاقها الدفاعي، وبصرف النظر عن الأسباب، يتسبب ترامب عن غير قصد بنتيجة عكسية. بمجرد تمتع أوروبا بالاستقلالية العسكرية عن الولايات المتحدة، ستبتعد تدريجياً عن سوق الأسلحة الأميركية. فالاستثمار في البنية التحتية الأوروبية سيجعل الصناعة المحلية أكثر جاذبية بالنسبة إلى الأوروبيين.

كما لاحظ رئيس مؤتمر ميونيخ للأمن فولفغانغ إيشنغر، بين 2022 و2024 اشترت دول أوروبا الأطلسية نحو 51 في المئة من أسلحتها من السوق الأميركية. هذا ما دفع نائب وزير الخارجية الأميركي كريستوفر لاندو إلى تحذير الأوروبيين من أن السياسات "الحمائية" ستقوّض الدفاع المشترك. في "فورين أفيرز"، عزا إيشنغر ذلك إلى سببين. الأول عملي، وينطلق من أن حاجة أوروبا إلى الدفاع عن نفسها تعني تلقائياً الحاجة إلى التنسيق الصناعي. الثاني انتخابي وأساسه أن أي زيادة في الإنفاق تعني إرضاء الناخبين عبر زيادة المشاريع الأوروبية المربحة.
السؤال الأخير
هل يأتي يوم يندم فيه ترامب على الدفع الشديد باتجاه زيادة الناتو إنفاقه؟ ستصطدم أميركا بواقع حتمي مفاده أن تعزيز الإنفاق الدفاعي الأوروبي لا بد أن يترك القارة مستغنية عن أميركا في الكثير من الصناعات، خصوصاً مع التوترات الثنائية المستمرة. لكن مفاعيل تلك الاستقلالية لن تبدأ بالتبلور بشكل ملحوظ قبل مغادرة ترامب منصبه. لذلك، قد لا يشغل نفسه بهذا الأمر كثيراً في الوقت الحالي.
نبض