سويسرا ترفض سقف السكان... لكن 45% من الناخبين صوّتوا لمخاوف الهجرة
رفض الناخبون في سويسرا، خلال استفتاء أُجري الأحد 14 حزيران/يونيو، مبادرة مدعومة من "حزب الشعب السويسري" اليميني لتحديد سقف عدد السكان عند 10 ملايين نسمة. إلا أن التصويت تجاوز مسألة الرقم المطروح ليطرح أسئلة أوسع حيال مستقبل الهجرة وعلاقة البلاد بالاتحاد الأوروبي.
وحمل المقترح اسم "مبادرة الاستدامة"، ودافع عنه الحزب باعتباره دعوة إلى نمو سكاني مستدام وحماية للبيئة والموارد الطبيعية، فيما حذر مؤيدوه من أن الهجرة غير المنضبطة تضغط على البنية التحتية وترفع كلفة السكن وتثقل أنظمة الصحة والتأمينات الاجتماعية. ولم يرد "حزب الشعب السويسري" على أسئلة "النهار" حتى لحظة نشر هذا التقرير.
وكان المقترح ينص على عدم تجاوز عدد السكان الدائمين 10 ملايين نسمة قبل عام 2050، مع إلزام السلطات باتخاذ إجراءات عند بلوغ 9.5 ملايين نسمة. كما كان سيؤدي عملياً إلى مراجعة اتفاقات أساسية مع الاتحاد الأوروبي، وفي مقدمتها اتفاق حرية التنقل.
اختبار للعلاقة مع أوروبا
يرى معارضو المبادرة أن نتيجة التصويت جنّبت سويسرا مواجهة مع بروكسل. ويقول يون بولت، النائب في المجلس الوطني عن "الحزب الاشتراكي الديموقراطي" ونائب رئيسه وأحد أبرز قادة حملة الرفض، إن "إقرار المبادرة كان سيدفع آلاف المقيمين من غير حاملي الجنسية إلى حالة من عدم اليقين القانوني، ويقوض أسس العلاقة المنظمة بين سويسرا والاتحاد الأوروبي".
ويرفض بولت، في حديثه لـ"النهار"، حجة أن النمو السكاني يرهق البنية التحتية وأنظمة الرفاه. ويشير إلى أن "القطارات السويسرية تعمل بمعدل إشغال متوسط لا يتجاوز نحو 30%، رغم الحاجة إلى تحسين بعض الخطوط المزدحمة في أوقات الذروة".
كذلك يعتبر أن نظام التأمينات الاجتماعية "يستفيد من الهجرة"، إذ يساهم المهاجرون بنحو 25% من مدفوعات رواتب الدولة، فيما لا يحصلون إلا على نحو 15% من المزايا، ما يعني أن الحد من الهجرة "قد يضعف الأسس المالية لدولة الرفاه".
ويلفت إلى أن المناطق الأكثر استقبالاً للمهاجرين رفضت المبادرة بوضوح، بينما حظيت بتأييد أكبر في مناطق ريفية أقل كثافة سكانية، ما يوحي بأن التصويت عكس مواقف عامة من الهجرة أكثر مما عكس تجارب يومية مباشرة.

رفض المبادرة لا ينهي الجدل
من جهتها، ترى آمال بوشيبة، الأخصائية الاجتماعية والناشطة في قضايا الهجرة والاندماج ومديرة جمعية "سيزام" السويسرية، أن نتيجة التصويت لا تحتمل قراءة مبسطة. فرفض المبادرة "أظهر أن غالبية الناخبين لم تقتنع بأن الهجرة هي السبب الرئيسي للتحديات الحالية، لكن تأييد نحو 45% من الناخبين يعكس في الوقت نفسه مخاوف حقيقية لدى شريحة واسعة من السكان".
وتشير بوشيبة إلى أن المهاجرين "كانوا محور النقاش من دون أن يكونوا جزءاً منه"، رغم أن المجتمع السويسري يضم عمالاً أوروبيين ولاجئين وطلاباً ومقيمين منذ عقود. وتضيف أن نحو 27% من المقيمين لا يحملون الجنسية السويسرية، فيما ترتفع النسبة أكثر عند احتساب المجنسين وذوي الخلفيات المهاجرة.
ولا تنكر الأخصائية الاجتماعية وجود أزمات في السكن والخدمات، لكنها ترفض اختزالها في الهجرة وحدها، مشيرة إلى أن أزمة السكن "ترتبط أيضاً بندرة المساكن الميسورة والمضاربة العقارية وخيارات التخطيط العمراني". كما تلفت إلى أن "المستشفيات ودور الرعاية تعتمد بدرجة كبيرة على العمالة الأجنبية"، وأن نحو ثلث الأطباء تلقوا تعليمهم خارج سويسرا.
وتخلص بوشيبة إلى أن "التحدي الحقيقي لا يتمثل في فرض سقف جامد للسكان، وإنما في إدارة النمو السكاني بطريقة توازن بين الحاجات الاقتصادية والعدالة الاجتماعية واستدامة الخدمات"، وهي الرسالة التي ترى أن غالبية الناخبين وجّهتها من خلال تصويت 14 حزيران/يونيو.
نبض