خطة اميركية لتقليص قوات الناتو في أوروبا: هل تستعد القارة لمرحلة ما بعد المظلة الأميركية؟
تقرير عن تخفيض القوات الأميركية في الناتو وتأثيره على الأمن الأوروبي وسط ترقب انعقاد قمة مجموعة السبع. كيف تتكيف أوروبا مع هذا التحدي الجديد؟
مع اقتراب قمة مجموعة السبع وسط مساعٍ أوروبية لاحتواء الخلافات مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تكشف تقارير عن خطة أميركية لتقليص جزء كبير من القدرات العسكرية المخصصة لحلف الناتو في أوروبا.
وتخطط الولايات المتحدة لتقليص عدد الطائرات والسفن الحربية التي توفرها لعمليات حلف الناتو في أوروبا بشكل كبير، وفقاً لـ"نيويورك تايمز"، ما يسرّع من جهود أميركا لتقليص الحماية التي قدمتها لحلفائها الأوروبيين على مدى ثمانية عقود.
من شأن هذا القرار أن يحد من قدرة حلف شمال الأطلسي على شن ضربات بعيدة المدى وإجراء عمليات المراقبة.
وأُعلن عن تفاصيل التخفيض بشكل غير رسمي في الوقت الذي تحدث فيه كبار مسؤولي الدفاع الأميركيين علناً عن نيتهم إعادة توزيع القوات للدفاع عن المصالح الأميركية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
ونشرت الصحيفة الأميركية الوثيقة في حين تسعى الدول الأوروبية الكبرى وحلفاؤها في مجموعة السبع إلى ردم الهوة الآخذة في الاتساع مع الرئيس الأميركي خلال قمة يستضيفها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكروناعتباراً من الاثنين المقبل، ويُتوقّع أن يهيمن ترامب على فعالياتها. وتُمثّل القمة واحدة من أول الاجتماعات الدولية الكبرى منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في 28 شباط/فبراير.
هل أوروبا مستعدة؟
يرى بيير هاسكي، محلل الشؤون الجيوسياسية في إذاعة "فرانس إنتر"، في حديث الى "النهار"، أن الأولوية القصوى للأوروبيين اليوم باتت التكيّف مع احتمال تراجع المظلة الأمنية الأميركية. ويعتبر أن الرسائل الصادرة عن إدارة ترامب توحي بوضوح بوجود توجه نحو الانسحاب التدريجي من الالتزامات التقليدية تجاه أوروبا، ما يدفع الدول الأوروبية إلى الاستعداد لمرحلة قد تضطر فيها إلى الاعتماد على نفسها أمنياً وعسكرياً.

ويشير هاسكي إلى أن هذا التحول يمثل تحدياً كبيراً للأوروبيين الذين اعتادوا طوال عقود على الحماية الأميركية.
ومع ذلك، يلفت إلى أن القارة بدأت بالفعل اتخاذ خطوات عملية في هذا الاتجاه. فبعد تراجع الدعم الأميركي لأوكرانيا، تمكن الأوروبيون إلى حد كبير من ملء الفراغ ومنع انهيار كييف، ما جعل الحرب الأوكرانية اختباراً أولياً لقدرتهم على تحمل مسؤوليات أمنية أكبر. كما أن التحالف الذي أنشأته فرنسا وبريطانيا لدعم أوكرانيا كان قبل سنوات قليلة أمراً يصعب تصوره.
ما هو الواقع القائم؟
في المقابل، يقول الكاتب والمحلل السياسي أكثم سليمان، لـ"النهار"، إن "الحديث عن انسحاب أميركي من أمن أوروبا لا يعكس بدقة الواقع القائم، لأن خطوة بهذا الحجم كانت ستعني تحولاً استراتيجياً جذرياً على مستوى النظام الدولي، وهو ما لا توجد مؤشرات واضحة عليه حتى الآن". ويشير إلى أن الخطة المطروحة تتحدث عن سحب جزء من القدرات العسكرية الأميركية، فيما يبقى القسم الأكبر منها في أوروبا، ما يعني أن واشنطن "لا تتجه إلى التخلي عن أمن القارة بقدر ما تعمل على إعادة تعريف طبيعة شراكتها الأمنية معها".
ويرى سليمان أن الولايات المتحدة تسعى إلى "صياغة علاقة جديدة مع حلفائها الأوروبيين تقوم على تقاسم أكبر للأعباء والمسؤوليات". فبعد سنوات من مطالبة واشنطن الدول الأوروبية بزيادة إنفاقها الدفاعي داخل حلف "الناتو"، وهو ما بدأ عدد كبير من الدول الأوروبية بتنفيذه، باتت الإدارة الأميركية تدفع أيضاً نحو "تعزيز القدرات العسكرية الذاتية لأوروبا، سواء عبر تطوير الصناعات الدفاعية أو بناء جيوش أكثر جاهزية وقدرة على حماية القارة".
ماذا عن توقيت الإعلان؟
ويقول الدكتور في الجغرافيا السياسية رامي أبو دياب، لـ"النهار"، إن "توقيت الإعلان عن الخطة التي لم تصبح رسمية ونهائية حتى الآن مثير للاهتمام، فهو يأتي عشية اجتماع مجموعة الدول الصناعية السبع في فرنسا الذي لا تزال مشاركة ترامب فيه غير محسومة، وقبل قمة الناتو التي ستنعقد أواخر هذا الشهر في تركيا، والتي يُتوقع أن تكون قمة مفصلية".
ويضيف أن العلاقات الأميركية – الأوروبية "اهتزت بشدة"، ومع ذلك، لا يزال الأوروبيون "ملتزمين بحلف الناتو كمنظمة دفاع جماعي، خاصة وأن أوروبا لا تزال في أمسّ الحاجة إلى الضمانات الأمنية الأميركية".
ويشير إلى أن "الإعلان عن خطة تخفيض إسهام الطائرات الأميركية في حلف الناتو لم يكن مفاجئاً، فقد أتى بعد قرار بسحب جزء من القوات الأميركية من ألمانيا، وهذا يتماشى مع استراتيجية الأمن القومي لعام 2025"، لافتاً إلى أن كل هذه التحولات جرت على خلفية التناقضات بين إدارة ترامب وأوروبا في مسائل أوكرانيا وغرينلاند والرسوم الجمركية، وتفاقمت أكثر بسبب المواقف الأوروبية إزاء حرب إيران.
نبض