تمرّد داخل "العمّال" يهدّد ستارمر بعد خسائر انتخابية قاسية... أزمة قيادة أم هويّة؟
يتناول الموضوع الأزمة الحالية داخل حزب العمال البريطاني وتأثيرها على السياسة البريطانية، مع تصاعد الضغوط على رئيس الوزراء كير ستارمر بعد خسائر انتخابية كبيرة.
تشهد بريطانيا واحدة من أكثر مراحلها السياسية اضطراباً منذ سنوات، مع تصاعد الأزمة داخل حزب العمال البريطاني وتزايد الضغوط على رئيس الوزراء كير ستارمر بعد خسائر انتخابية محلية قاسية.
وتتحول الأزمة داخل حزب العمال تدريجاً من مجرد خلاف على القيادة إلى مواجهة أعمق تتعلق بهوية الحزب ومستقبل الحكم في بريطانيا. فستارمر، الذي وصل إلى السلطة عام 2024 بعد فوز كاسح واعداً بـ"عقد من التجديد"، يجد نفسه اليوم في مواجهة تمرد داخلي متصاعد، بعدما حمّله كثيرون مسؤولية تراجع شعبية الحزب وخسارته أصواتاً لصالح حزب "إصلاح المملكة المتحدة" اليميني المتطرف بقيادة نايجل فاراج، إضافة إلى حزب "الخضر" اليساري.
دعوات متزايدة لإزاحته
وبرزت داخل الحزب دعوات متزايدة لإزاحته، مع استعداد شخصيات بارزة لخوض معركة الزعامة، أبرزها وزير الصحة ويس ستريتينغ الذي استقال من الحكومة وأعلن رغبته في الترشح، إلى جانب عمدة مانشستر الكبرى صاحب الشعبية آندي بيرنهام، الذي يسعى لدخول البرلمان تمهيداً لتقديم نفسه بديلاً قادراً على "استعادة ثقة الناخبين". ومن يربح زعامة حزب العمال يصبح رئيساً للوزراء.
ولكي يستطيع الترشح لرئاسة الحزب، على بيرنهام أن يفوز بمقعد في البرلمان، وأصبح فوزه ممكناً بعد استقالة النائب العمالي جوش سيمونز من دائرة ماكيرفيلد. لكن المهمة لن تكون سهلة، رغم أن الدائرة كانت تاريخياً معقلاً آمناً للعمال. فقد شهدت المنطقة، كما مناطق بريطانية أخرى، تحوّلاً متزايداً نحو حزب "إصلاح المملكة المتحدة". وتزداد حساسية المعركة بسبب عودة ملف خروج "بريكست" إلى الواجهة. فمعظم ناخبي ماكيرفيلد أيّدوا الخروج من الاتحاد الأوروبي، بينما من المعروف أن أغلبية مناصري حزب العمال يعارضونه، لهذا يحاول بيرنهام تجنب خسارة الناخبين المؤيّدين لـ"بريكست" في ماكيرفيلد.
فقضيّة "بريكست" عادت لتقسم الحزب مجدّداً بعدما وصف ستريتينغ الانفصال عن الاتحاد الأوروبي بأنه "خطأ كارثي"، فيما يواصل ستارمر رفض العودة إلى الاتحاد أو السوق الموحّدة، خشية إعادة فتح الانقسامات التي مزقت البلاد خلال السنوات الماضية.
الأزمة... سياسية؟
ولا تقتصر الأزمة على الملفات السياسية، بل تمتد إلى الاقتصاد أيضاً. فقد عاد حزب العمال إلى الحكم متعهداً بإعادة النموّ وتحسين مستوى المعيشة، إلا أن حكومته واجهت انتقادات بسبب عدم تحقيق نتائج ملموسة.
ومن هنا، بؤكد الخبراء أن المشكلة الحقيقية لحزب العمال ليست في من يقوده، ولم تعد مشكلته مرتبطة فقط بمصير ستارمر، بل باتت تعكس أزمة أعمق تتعلق بقدرة الحزب على إقناع البريطانيين بأنه قادر فعلاً على تحقيق التغيير الذي وعد به بعد عودته إلى السلطة.
فالهزيمة القاسية التي تعرّض لها الحزب في الانتخابات المحلية الأخيرة فجّرت موجة غضب داخلية. لكن خلف معركة الزعامة، تبدو المشكلة الأساسية أبعد من تغيير الوجوه.
يقول رئيس قسم الدراسات الدولية والسياسية في الجامعة اللبنانية الأميركية الدكتور عماد سلامة لـ"النهار" إن "تصاعد الانتقادات داخل حزب العمال البريطاني ضد ستارمر لا يرتبط فقط بخلافات حزبية داخلية، بل يعكس أزمة أعمق تتصل بموقع بريطانيا ودورها الدولي في مرحلة تتسم باضطرابات متسارعة".
ويشير إلى أن الحكومة العمالية تواجه ضغوطاً اقتصادية واجتماعية متزايدة داخلياً، بالتزامن مع عجزها عن بلورة سياسة خارجية واضحة في ظلّ التوتر المتصاعد بين أوروبا وإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الولايات المتحدة.
ويضيف أن ستارمر حاول تقديم حزب العمال كقوة "براغماتية" قادرة على إعادة الاستقرار بعد سنوات من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، إلا أن هذا التوجّه أدّى إلى انقسام داخل الحزب، إذ ترى شريحة من القاعدة العمالية أن القيادة ابتعدت عن الهويّة الاجتماعية التقليدية للحزب، فيما يعتبر جناح آخر أن ستارمر لم ينجح في بناء علاقة استراتيجية مستقرة مع واشنطن أو إعادة تموضع بريطانيا داخل أوروبا بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي.
"صعوبة حكم" في بريطانيا؟
ويرى مراقبون أن الأزمة الحالية تعكس مشاكل أعمق تضرب النظام السياسي البريطاني وتراجع الثقة بالأحزاب التقليدية. والتبدل السريع لرؤساء الحكومات، من بوريس جونسون إلى ليز تراس ثم ريشي سوناك، عزز الانطباع بأن بريطانيا دخلت مرحلة "صعوبة الحكم". وفي ظل هذا المشهد، تبدو معركة حزب العمال أكبر من مجرد تغيير زعيم.
ويلفت سلامة أيضاً إلى أن "الأزمة تتفاقم أيضاً بفعل الحرب في أوكرانيا والتوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط"، معتبراً أن بريطانيا تبدو "غير قادرة على القيام بدور حاسم سواء في الدفع نحو تسوية للحرب الأوكرانية أو في حماية حلفائها الخليجيين وتأمين ممرات حيوية مثل مضيق هرمز".
ويختم بأن حزب العمال يعيش بالفعل أزمة هوية حقيقية، تتمثل في التساؤل عما إن كان حزباً أوروبياً يسعى لإصلاح العلاقة مع بروكسل، أم حزباً أطلسياً يعتمد بالكامل على الشراكة مع واشنطن حتى في ظل الخلافات مع ترامب، أم يحاول الجمع بين الخيارين من دون امتلاك الموارد السياسية والاقتصادية الكافية، معتبراً أن هذه الضبابية الاستراتيجية تنعكس مباشرة على الانقسامات داخل الحزب وتراجع الثقة بقيادة ستارمر.
نبض