أوكرانيا في مهبّ خلافات ترامب والناتو
يتقاطع التصعيد في الحرب مع إيران مع الخلاف المتفاقم بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب وحلف الناتو، ما ينعكس مباشرة على مسار الحرب في أوكرانيا. وبين ضغوط التمويل والتهديد بالالتزامات، تجد كييف نفسها أمام معادلة أكثر تعقيداً، حيث تتداخل الحسابات الجيوسياسية مع أزمات الثقة داخل التحالف الغربي لتهدد توازنات الأمن الأوروبي.
أفادت مصادر مطلعة بأن ترامب لوّح بوقف إمدادات الأسلحة إلى أوكرانيا للضغط على حلفاء أوروبيين للانضمام إلى "تحالف الراغبين"، الذي تسعى واشنطن إلى تشكيله بهدف إعادة فتح مضيق هرمز، بحسب صحيفة "فاينانشال تايمز".
وذكرت الصحيفة أن ترامب طالب دول الناتو بالمساعدة في إعادة فتح الممر المائي، الشهر الماضي. لكن عواصم أوروبية رفضت ذلك، قائلة إن ذلك سيكون مستحيلاً في ظل استمرار الصراع، فيما وصفت بعض الدول ذلك بعبارة "ليست حربنا".
وقال ثلاثة مسؤولين مطلعين على المناقشات إن ترامب رد بالتهديد بوقف إمدادات الأسلحة إلى برنامج "بورل"، وهو مبادرة للناتو لشراء الأسلحة لأوكرانيا بتمويل من دول أوروبية.
بدورها، أفادت وكالة "بلومبرغ" بأن أوكرانيا تكافح من أجل الحصول على تعهدات جديدة من حلفاء الناتو لشراء أسلحة أميركية، وفقاً لما صرحت به مبعوثة كييف لدى الحلف العسكري.
لكن ذلك يؤدي إلى تفاقم المأزق المالي المتزايد الذي تواجهه أوكرانيا مع دخول الغزو الروسي عامه الخامس وتعثر محادثات السلام.
ويقول أستاذ العلاقات الدولية الدكتور خالد العزي لـ"النهار" إن أوكرانيا، قبل حرب الشرق الأوسط، كانت ورقة ضغط في مقاربة ترامب الجيوسياسية، إذ سعى منذ مرحلة مبكرة إلى ابتزاز الأوروبيين وربط الدعم العسكري بتمويلهم. ويرى أن خلافه مع كييف والاتحاد الأوروبي يعكس تبايناً في أولويات الأمن القومي، إذ تعتبر أوروبا أوكرانيا جزءاً من أمنها واستقرارها، بينما لم يراعِ ترامب هذه الاعتبارات.
ويشير إلى أن استبعاد الأوروبيين من بعض مسارات التشاور عزّز شعورهم بأنهم خارج دائرة الشراكة الفعلية، خصوصاً مع تحميلهم كلفة شراء السلاح. كذلك، يبدو أن انتقاد ترامب المستمرّ لحلفاء الناتو واتهامهم بالضعف، وفرضه مطالب مالية وتسليحية إضافية، أمو. فاقمت حدّة التوتر داخل التحالف.

فالحرب مع إيران أدت إلى تفاقم التوترات التي كانت تتصاعد منذ بداية ولاية ترامب الثانية بين الولايات المتحدة وأوروبا بشأن كل شيء، بدءاً من التجارة، وصولاً إلى أوكرانيا ومطالباته بملكية غرينلاند؛ وهي إقليم يتمتع بالحكم الذاتي تابع للدانمارك.
ورغم محاولات احتواء التوتر عبر زيارات وتصريحات داعمة، يعكس هذا الخلاف شرخاً أعمق داخل التحالف، يتجاوز تقاسم الأعباء إلى اختلاف في تعريف التهديدات، بحسب "واشنطن بوست". في المقابل، يقيّد تشريع أميركي قدرة أيّ رئيس على الانسحاب من الناتو من دون موافقة الكونغرس، ما يعقّد خيارات ترامب.
أوروبا، التي تواجه تداعيات اقتصادية وسياسية للحرب، بدأت تتخذ مواقف عملية، كرفض استخدام قواعدها أو أجوائها في العمليات الأميركية. هذا التباين يهدد تماسك الناتو ويضعف قدرته على الردع، خصوصا تجاه روسيا، في وقت تبقى الحرب في أوكرانيا أولوية أساسية للحلف. فالحلف يسعى إلى الحدّ من الصراع من خلال إقناع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأنه سيردّ إذا قرّر يوماً ما توسيع نطاق حرب موسكو في أوكرانيا.
وقد حذّر خبراء من أن تكرار تصريحات ترامب بشأن احتمال عدم التزام الولايات المتحدة بضمانات الناتو قد يدفع روسيا إلى اختبار مدى جاهزية الحلف لتفعيل المادة الخامسة من ميثاقه، التي تنصّ على أن أيّ اعتداء على دولة عضو يُعدّ اعتداءً على جميع الأعضاء، بحسب وكالة "رويترز".
ويقول العزي إن الأوروبيين "يعتبرون أن الانخراط في الصراع المرتبط بإيران ومضيق هرمز سيستنزف قدراتهم الموجّهة أساساً لدعم أوكرانيا، خاصة في ظلّ غياب وضوح في استراتيجية ترامب وخشيتهم من تقاسم النفوذ مع روسيا أو إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية".
ويخلص إلى أن "الاتحاد الأوروبي، رغم خلافاته مع واشنطن، سيواصل دعم أوكرانيا باعتبار أن صمودها مرتبط بأمنه. في المقابل، تدفع سياسات ترامب المتقلبة الحلفاء إلى الحذر وتجنب الانخراط في مغامرات عسكرية، في ظل استمرار التباينات العميقة بين الجانبين حول دور الناتو ومستقبل التحالف".
تكشف هذه التطورات أن تداخل حرب إيران مع خلاف ترامب–الناتو يعمّق أزمة الثقة داخل التحالف الغربي، ويعيد توزيع الأولويات، ما يضع أوكرانيا أمام تحديات تمويلية وعسكرية متزايدة ويجعل مستقبل الدعم الغربي أكثر غموضاً وتقلباً.
نبض