محاولات اغتيال وفضائح وحرب استنزاف... زيلينسكي المنهك صامد بعد 4 سنوات
منذ عبور الدبابات الروسية الحدود في شباط/فبراير 2022، واجه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أخطر اختبار في مسيرته السياسية. ففي الأيام الأولى للغزو، انتشرت شائعات عن فراره من كييف، لكن ظهورَه في مقطع فيديو ليلي أمام مبنى الرئاسة معلناً "نحن هنا" تحوّل إلى لحظة مفصلية جسّدت قرار البقاء والصمود. كانت إزاحته أو تصفيته جزءاً من الخطة الروسية لحسم الحرب سريعاً، وتحدثت تقارير عن محاولات اغتيال عديدة، إلا أنه نجا واستمر في القيادة.
خلال أربع سنوات من الحرب، بنى زيلينسكي صورته كقائد زمن الحرب عبر التواصل المباشر مع شعبه والعالم، مستخدماً مقاطع فيديو غير رسمية ورسائل مباشرة عززت المعنويات ورفعت شعبيته سريعاً. هذا الأسلوب، إلى جانب خطابه التعبوي، جعله يُقارن بوينستون تشرشل. غير أن المسار لم يخلُ من الأخطاء والانتكاسات: فبعد النجاحات الأولى في صد الهجوم على كييف واستعادة أراضٍ واسعة، تعثّر الهجوم المضاد في 2023، وتصاعدت الخلافات مع القائد العسكري فاليري زالوزني، وانتهت بإقالته عام 2024، بحسب شبكة "سي أن أن".
داخلياً، واجه زيلينسكي احتجاجات نادرة بسبب محاولات تقليص استقلال هيئات الرقابة، فاضطرّ إلى التراجع تحت ضغط الشارع والحلفاء الغربيين، إضافة إلى قضيّة فساد مدوّية تورّط فيها رجال من أقرب مستشاريه، إلا أنه استطاع تجاوزها. وخارجياً، ازدادت التحديات مع توتر علاقته بإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، التي تبنّت موقفاً أكثر عدائية تجاه أوكرانيا وضغطت باتجاه تسوية لا يراها الأوكرانيون منصفة.
رغم ذلك، لا يزال زيلينسكي يحافظ على مستويات تأييد مرتفعة نسبياً، مستنداً إلى تفويض شعبي واسع في زمن الحرب وإلى صورة قائد صمد في وجه محاولات الاغتيال، والاستنزاف العسكري، والأزمات السياسية. إلا أن مستقبله يبقى غير محسوم، مع استمرار الحرب، وتعثّر المفاوضات، وتزايد كلفة الصراع على المجتمع والدولة، فيما يبقى السؤال مفتوحاً حيال قدرته على قيادة أوكرانيا من الحرب إلى السلام.

ويقول أستاذ العلاقات الدولية خالد العزي لـ"النهار" إن ما تشهده أوكرانيا من فضائح ومشكلات داخلية أمر متوقّع في سياق حرب طويلة، موضحاً أن "الموقف الأميركي بات واضحاً منذ تولّي ترامب الرئاسة، إذ تمارس واشنطن ضغوطاً لإنهاء الحرب على حساب أوكرانيا". ويضيف أن ذلك لا ينفي وجود فساد وبيروقراطية داخل الدولة الأوكرانية، وهو أمر تعاني منه كذلك روسيا.
ومع ذلك، يؤكد أن ما تسعى إليه إدارة ترامب لم يتحقق حتى اليوم، فها هي الحرب تدخل عامها الخامس، ولا تزال أوكرانيا صامدة، وقادرة على توجيه ضربات موجعة في العمق الروسي، رغم ضعف التمويل وتراجع إمدادات السلاح وتفاوت مستوى الضغوط الدولية.
وحيال سؤال "كيف صمد زيلينسكي؟"، يوضح العزي أن هناك عاملين أساسيين. الأول أن زيلينسكي "رئيس منتخب ديموقراطياً، ونال دعماً واسعاً من شرائح المجتمع الأوكراني، بما فيها مناطق الشرق ذات الغالبية الناطقة بالروسية. وقد جاء هذا التفويض الشعبي رداً على سنوات من الفساد المستشري، الذي كان مدعوماً من حكومات موالية لموسكو، وفي مقدمتها نظام الرئيس الأوكراني السابق فيكتور يانوكوفيتش".
أما العامل الثاني، فيتمثل، بحسب العزي، في "اعتماد زيلينسكي على جيش يدافع عن أرضه وشعبه وقضيته، على عكس الجيش الروسي الغازيٍ الذي جرى تطويعه بالمال أو عبر تجنيد سجناء وأصحاب سوابق". ويرى أن هذا الفارق الجوهري يفسّر عجز روسيا، رغم تفوّقها العسكري واللوجستي، عن تحقيق اختراقات حاسمة، وتقدّمها البطيء على الجبهات، مقابل قدرة الجيش الأوكراني على الصمود والدفاع الشرس.
ويضيف أستاذ العلاقات الدولية أن هذا الالتزام الشعبي والعسكري منح زيلينسكي قوة سياسية إضافية، وجعله عائقاً حقيقياً أمام الطموحات الروسية الساعية إلى تحطيم الهوية القومية والثقافية الأوكرانية، والسيطرة على مساحة تُعد امتداداً استراتيجياً لأوروبا الشرقية. ومن هنا، برأيه، تحاول موسكو إلغاء أوكرانيا سياسياً، والالتفاف عبر التفاوض المباشر مع الولايات المتحدة، انطلاقاً من قناعتها بأن ترامب "رجل صفقات" أكثر منه رجل دولة.
ويخلص العزي إلى أن الرواية الروسية القائلة بانتهاء شرعية زيلينسكي أو السعي لفرض إدارة دولية على أوكرانيا غير واقعية، ولا تنسجم مع الدستور الأوكراني. ويرى أن إخفاق موسكو في تحقيق أهدافها سيضع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أمام مأزق داخلي خطير، بعدما حوّل القضية الأوكرانية إلى مسألة شخصية. وبرأيه، لو كانت روسيا انتهجت مقاربة أكثر براغماتية، عبر تسويات وضمانات أمنية متبادلة، لكان بالإمكان تجنّب حرب استنزاف طويلة لم تحقق لموسكو النتائج التي سعت إليها، وأفقدتها جزءاً كبيراً من وزنها الدولي، رغم ما تملكه من قدرات نووية وعسكرية.
نبض