ملفات ابستين تهزّ المنظومة الحاكمة في بريطانيا والعائلة المالكة في النروج
أعادت دفعة غير مسبوقة من وثائق جيفري إبستين فتح ملفات قديمة داخل النخب الغربية، كاشفة عن تشابك مقلق بين المال والسلطة. من القصر الملكي البريطاني إلى أروقة البرلمان، تتقاطع السياسة والفضيحة، وسط مطالب متصاعدة بالمحاسبة والشفافية، وتداعيات تتجاوز بريطانيا إلى النروج.
تسبّب نشر الحكومة الأميركية أكثر من ثلاثة ملايين وثيقة مرتبطة بجيفري إبستين في هزة عنيفة داخل بريطانيا، طالت القصر الملكي والبرلمان معاً، بعدما كشفت عن علاقات وثيقة بين المموّل الأميركي المدان بجرائم جنسية وثلاث شخصيات بارزة في الحياة العامة: الأمير أندرو، وزوجته السابقة سارة فيرغسون، وبيتر ماندلسون، السفير البريطاني السابق لدى واشنطن، بحسب "نيويورك تايمز".
الوثائق الجديدة زادت الضغط على الأمير أندرو، الذي حاول لسنوات نفي استمرار علاقته بإبستين بعد إدانته عام 2008، بحسب "سي ان ان". غير أن رسائل وصور غير مؤرخة أُفرج عنها حديثاً أعادت فتح الملف. رئيس الوزراء كير ستارمر دعا أندرو إلى التعاون مع التحقيقات الأميركية وتقديم إفادته أمام الكونغرس. القصر الملكي التزم الصمت، فيما واصل الملك تشارلز مساعي إبعاد شقيقه عن الحياة العامة، بعدما كان قد جرّده من ألقابه الملكية في تشرين الأول/أكتوبر وبدأ عملية طرده من العقار الملكي في ويندسور.
سارة فيرغسون، المعروفة بـ"فيرغي"، ورد اسمها أيضاً في الوثائق، التي أظهرت عمق علاقتها بإبستين، من رسائل ودّ وشكر، إلى طلبات مالية عاجلة. ورغم عدم وجود اتهامات جنائية بحقها، فإن الوثائق الجديدة دفعت مؤسستها الخيرية إلى إعلان الإغلاق الموقت، بعدما كانت قد فقدت سابقاً رعايتها لعدد من الجمعيات.
وبدت قضية بيتر ماندلسون الأكثر خطورة سياسياً. فقد كشفت الوثائق عن تحويلات مالية محتملة من إبستين إليه، إضافة إلى تسريبه معلومات حكومية حساسة تتعلق بالضرائب وخطط بيع أصول الدولة خلال الأزمة المالية. هذه التطورات أدت إلى إقالته سابقاً من منصبه الديبلوماسي، ثم استقالته من حزب العمال وإعلانه مغادرة مجلس اللوردات.
تشير الرسائل التي نشرتها وزارة العدل الأميركية، إلى أن ماندلسون سرّب مراسلات حكومية بريطانية حساسة إلى إبستين في ذروة الأزمة المالية عام 2009، بحسب "وول ستريت جورنال"، بما قد يتيح له الاستفادة من معلومات داخلية. كما تتضمن أدلة على تحويلات مالية بقيمة 75 ألف دولار من إبستين إلى ماندلسون في أعوام سابقة، إضافة إلى طلبات دعم مالي. هذه المعطيات دفعت ستارمر إلى فتح تحقيق عاجل. ماندلسون نفى تذكّره تلقي الأموال، وأقرّ بسوء تقدير، مقدّماً اعتذاره لضحايا إبستين، فيما أعلنت أحزاب بريطانية عدة مطالبة الشرطة بفتح تحقيق رسمي. وأكدت شرطة العاصمة أنها تراجع المزاعم لتحديد ما إذا كانت ترقى إلى مستوى جريمة. في موازاة ذلك، أفادت تقارير بأن لجنة الرقابة في مجلس النواب الأميركي قد تستدعي ماندلسون للإدلاء بشهادته.
صحيح أن الكشف عن ملفات جديدة مرتبطة بإبستين أثار موجة صدمة داخل أوساط المؤسسة البريطانية، ولكن امتد تأثيرها إلى العائلة المالكة في النروج.
تشير الملفات التي نشرتها وزارة العدل الأميركية ضمن إفراج أوسع عن نحو ثلاثة ملايين وثيقة، إلى ولية عهد النروج الأميرة ميته ماريت. إذ أظهرت الرسائل، المرسلة بين عامي 2011 و2013 من حساب يحمل صفة "صاحبة السمو الملكي ولية العهد"، درجة من القرب لم يكن القصر الملكي قد أقر بها سابقاً، بما في ذلك زيارات محتملة لمنزل إبستين في فلوريدا، وتبادل عبارات ودّ ومزاح حيال ملاحقته للنساء. وقد اعترفت الأميرة، في بيان، بأنها تتحمل مسؤولية "سوء التقدير" لعدم التدقيق في خلفية إبستين، وأعربت عن ندمها وتعاطفها مع الضحايا.
في النروج، تزامن نشر الرسائل مع أجواء داخلية مشحونة، إذ يستعد نجل ولية العهد، ماريوس بورغ هويبي، للمثول أمام المحكمة بتهم اغتصاب واعتداءات جنسية، وهو ما زاد من الضغط على العائلة المالكة. وأثار الجدل أسئلة حيال مستقبل ميته ماريت ودورها كملكة محتملة.
تكشف ملفات إبستين هشاشة الحدود بين النفوذ والمساءلة داخل النخب الغربية، وتضع مؤسسات ملكية وسياسية أمام اختبار أخلاقي صعب. فبين الاعتذارات والتحقيقات، هل تقود الصدمة إلى محاسبة حقيقية أم إلى احتواء جديد للفضيحة؟
نبض