هل تتناقض رؤية ترامب بين أوكرانيا وغرينلاند؟
يمكن ملاحظة ثغرة بين سياستي الرئيس الأميركي دونالد ترامب تجاه أوكرانيا والدنمارك. في التعامل مع الأخيرة، يقول ترامب إنه بحاجة ماسة إلى غرينلاند لمنع روسيا والصين من تحقيق موطئ قدم لهما هناك. إذاً، بهذا المعيار، ينظر ترامب إلى روسيا باعتبارها خطراً على الأمن القومي الأميركي.
بناء على ذلك، من المنطقي توقع أن يدعم الرئيس أوكرانيا في مواجهة روسيا، لاستنزافها باكراً. فمن الأفضل للولايات المتحدة، استباقياً، إنهاك روسيا في أوروبا لمنعها من الوصول في المستقبل إلى الجزيرة. مع ذلك، يضغط ترامب لإنهاء الحرب سريعاً. بدلاً من استنزاف موسكو في المستنقع الأوكراني، يقدّم ترامب مخارج قد تمكّنها من تحويل مخاوفه إلى واقع، ولو في المستقبل غير القريب. فلماذا هذا "التناقض"؟
ثمة فرضيات متداخلة يمكن أن تردم الهوة بين السياستين. أولها أن ترامب لا يرى في روسيا خطراً كبيراً على الولايات المتحدة. فاستراتيجية الأمن القومي الأخيرة واضحة لجهة أن أوروبا هي المتلقي الأول لاستياء ترامب. في هذه النقطة بالتحديد، تصبح غرينلاند ساحة محتملة لتصفية الحساب مع الأوروبيين... ومن بينهم الدنماركيون في المقام الأول. ففي 2019، حين عرض ترامب أولاً على كوبنهاغن شراء الجزيرة، ردت الدنمارك على الطلب بوصفه "غريباً"، الأمر الذي أثار استياءه. هذا مع العلم أن تلك السنة شهدت أكثر من نقطة احتكاك إعلامي حول الجزيرة. لكن بالتأكيد، ثمة ما هو أبعد من مجرد سوء تفاهم أو سوء استخدام للكلمات.
ما ليس جديداً
منذ توليه الولاية الرئاسية الثانية، كان التجانس الأكبر في سياسات ترامب الخارجية متجلياً في القارة الأميركية حيث أعاد إحياء مبدأ مونرو، أحياناً بتسمية جديدة. لكن خلال الحرب العالمية الثانية، وضعت الولايات المتحدة حماية غرينلاند ضمن هذا المبدأ. بالتالي، سياسة ترامب تجاه الجزيرة لا تعدّ جديدة. الجديد فقط هو الشكل والأسلوب في السعي إلى امتلاكها. ليس أن الشكل أمر ثانوي بطبيعة الحال، فهو يساهم في توتير مجاني للعلاقات الأطلسية.

ومن وجهة نظر ترامب، سيكون نظيره الروسي فلاديمير بوتين مهتماً بالعروض الأميركية. ربما تعتقد واشنطن أن روسيا، بنفوذها الخاص في شرق أوكرانيا، ستظل مكتفية بممارسة تأثيرها في ذلك الحيّز الضيق، أو في ما هو أوسع بقليل. بهذا المعنى، إن اتفاقاً مع روسيا في أوكرانيا يضمن إلى حد كبير قارة أميركية خالية من النفوذ الروسي.
منطقة قوته
ثمة الكثير من علامات الاستفهام حول حاجة ترامب اللوجستية إلى السيطرة على الجزيرة. تملك واشنطن قاعدة بيتوفيك العسكرية هناك، حيث تراقب تحركات الروس. أما إذا أراد الرئيس الأميركي مناطق مراقبة أقرب إلى قاعدة الأسطول الروسي الشمالي، فستكون النرويج، لا غرينلاند، مكاناً أمثل.
يترك كل ذلك القارئ أمام أحد الاستنتاجات الجديرة بالاعتبار. ليست رؤى ترامب تجاه أوكرانيا وغرينلاند متناقضة بالضرورة، وإن تكن غير متسقة دائماً. ثمة منطقة رمادية تتحرك فيها سياساته، وهي منطقة محببة إليه بما أنها تمنحه هامشاً للحركة، والأهم، للمفاجأة.
بالتالي، وبما أن الجزء الأكبر من قاعدته الشعبية لا يزال ينظر بسلبية إلى الروس (73 في المئة بحسب استطلاع رأي حديث لـ "معهد رونالد ريغان")، يمكن التلويح بموسكو كورقة رابحة لتبرير تشدده تجاه الجزيرة. باختصار، روسيا هي مجرد ورقة تين لـ "مونرو".
نبض