غرينلاند عبر العصور: من ساكني ما قبل التاريخ إلى حكم ذاتي و...أطماع ترامب

أوروبا 25-01-2026 | 09:37

غرينلاند عبر العصور: من ساكني ما قبل التاريخ إلى حكم ذاتي و...أطماع ترامب

همزة الوصل بين الولايات المتحدة وأوروبا...
غرينلاند عبر العصور: من ساكني ما قبل التاريخ إلى حكم ذاتي و...أطماع ترامب
منازل في غرينلاند. (أ ف ب)
Smaller Bigger

ها هي جزيرة غرينلاند تتصدّر المشهد العالمي، فتشعل مواجهة غير مسبوقة طغت على برودة الجزيرة وحرارتها المتدنيّة. الرئيس الأميركي دونالد ترامب أعلن بشكل صريح أنّه يريد ضمّها، أمّا الدنمارك والحلفاء فتوحّدوا رفضاً لطموحه. باتت المعركة إذاً في هذا المكان البارد...

وضع ترامب مشروعه للجزيرة، التي تشكّل مع الدنمارك وجزر فارو المملكة الدنماركية وفق دستور عام 1953، في سلّم أولويّاته وتصريحه الأخير من منتدى دافوس دليل إضافي على إصراره على مخطّطه.

وغرينلاند، أمام كل هذا المشهد المتوتّر، كانت فكرة ضمّها موجودة سابقاً لكن كل التجارب كُتب لها الفشل. ومع إعلان ترامب المتجدّد وإصراره، ماذا نعرف عن هذه الجزيرة النائية، عن تاريخها ومسارها السياسي في قلب الكيان الدنماركي؟  

رحلة ولادة غرينلاند... بالمراحل
غرينلاند أكبر جزيرة في العالم، نائية، تتمتّع بحكم ذاتي تابع للدنمارك. تقع نحو 80% من مساحتها فوق الدائرة القطبية الشمالية، يقطنها نحو 56 ألف نسمة ويُشكل السكّان من أصل الإنويت نحو 90%، ومساحتها 2.16 مليون كيلومتر مربّع. مناخياً، تتمتّع بنهار دائم لشهرين في العام. اقتصادياً، تعتمد الجزيرة على صيد الأسماك والصناعات الأولية. وفق تقرير لـ"بلومبرغ"، يبلغ الناتج المحلي الإجمالي لغرينلاند 3.2 مليارات دولار وتدعمها الدانمارك سنوياً بنحو 600 مليون دولار.

 

منازل في غرينلاند. (أ ف ب)
منازل في غرينلاند. (أ ف ب)

 

عام 2500 قبل الميلاد، كان فيه وصول أول البشر (الإنويت) من كندا إلى غرينلاند بعد تجمّد المضيق الضيّق الذي يفصل الجزيرة عن أميركا الشمالية. 

في 985، وصل الفايكنغ بقيادة النروجي إريك الأحمر الذي نُفي من أيسلندا بتهمة القتل غير العمد إلى الجزيرة، إذ انتقلت العائلة لأن والده ارتكب "عدداً من جرائم القتل". وفق الرواية، أطلَق إيرك اسم "غرينلاند" على الجزيرة لأن "الناس سيكونون أكثر حماساً للذهاب إليها إذا كان للجزيرة اسم جذّاب". 

وينقل موقع "بوليتيكو" نظرية أخرى إلى جانب هذه الرواية تُفيد بأن كلمة "green" في اللغة النوردية القديمة كانت تعني "ليست خضراء على الإطلاق". ووفق الموقع نفسه، إن أحد أبناء إريك كان ليف إريكسون، الذي أصبح أول أوروبي يصل إلى أميركا الشمالية، أي قبل كريستوفر كولومبوس بحوالى 500 عام.

قاد إريك عام 986 رحلة استيطانية أسفرت عن إنشاء مستوطنتين رئيسيتين، بلغ عدد سكانهما نحو 6 آلاف نسمة إلّا أنّهما اختفتا حوالى سنة 1450.

عام 1126، وصلت المسيحية في القرن الحادي عشر عبر مبشّرين نروجيين، وأُسسّ مقر أسقفي لخدمة المستوطنين. إلى عام 1200، إذ وصل شعب ثولي، الموجة الأخيرة من 6 موجات هجرة للإنويت إلى غرينلاند، من ألاسكا. وهم أجداد السكّان الأصليين الحاليين.

دخلت غرينلاند عام 1397 تحت النفوذ الدنماركي عندما أُنشئ "اتحاد كالمار" الذي ضمّ الدنمارك والنروج والسويد. وفي 1721، وصل المبشّر اللوثري هانس إيغيدي وأُنشئت مستوطنة قرب نوك مع تحويل السكّان الأصليين إلى المسيحية، وبداية الاستعمار الدنماركي الحديث فاحتكرت الحكومة الدنماركية تماماً عام 1776 التجارة مع غرينلاند وأغلقت ساحلها أمام الدول الأخرى.

 

منازل في غرينلاند. (أ ف ب)
منازل في غرينلاند. (أ ف ب)

 

أصبحت غرينلاند في 1814 مستعمرة دنماركية بعد حل اتّحاد الدنمارك والنروج، مع سياسة عزلة تجارية وسيطرة على الموارد، إذ لم يعد فتح ساحلها حتى عام 1950، لتتحوّل عام 1953 إلى مقاطعة دنماركية.

عام 1979، منحت الدنمارك الحكم الذاتي (Home Rule) للجزيرة في الأول من أيار/مايو. ووفق مجلة "الإيكونوميست"، جعل هذا القرار كالاليسوت اللغة الرسمية ومنح السلطة أكثر للجزيرة بما في ذلك الحق في تقرير المصير والسيطرة على الموارد.

وأصبحت غرينلاند عام 2009 دولة تتمتّع بالحكم الذاتي داخل مملكة الدنمارك. صدّق البرلمان الدنماركي عليه وبحق غرينلاند في الاستقلال عندما يطلب الناخبون المحلّيون ذلك واحتفظت الدنمارك بالسيطرة على الدفاع والشؤون الخارجية.

بحسب "الإكونوميست"، "تمتد مستوطنات الإنويت على طول السواحل ويتحدّثون 3 لهجات رئيسية تعتمد على تركيب كلمات طويلة تعبّر عن جملة كاملة بالإنكليزية. لهجة كالاليسوت مستخدمة في الغرب، حيث تقع العاصمة ويعيش أغلب المواطنين. وتُستخدم اللهجات الأخرى في مجتمعات أصغر على السواحل الشمالية الغربية والشرقية".

عين على الموارد...
تُعدّ غرينلاند مصدراً غنياً بالمعادن النادرة، وهي مكوّنات أساسية في الهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر والبطاريات. احتياطياتها تشمل النيكل والكوبالت والنفط والغاز والفحم والمعادن الأرضية النادرة، مع وجود 43 من أصل 50 معدناً تعتبرها واشنطن "حرجة".

بالإضافة إلى موقعها الاستراتيجي، فهي همزة الوصل بين الولايات المتحدة وأوروبا، على ممر غرينلاند-أيسلندا-المملكة المتحدة، الذي يربط المحيط المتجمّد الشمالي بالمحيط الأطلسي، ما يزيد أهميّتها في النقل والملاحة البحرية.

وبفعل التغيّر المناخي، فإن ذوبان جليد القطب الشمالي قد يسهّل الوصول إلى هذه الموارد ويمدّد فترة صلاحية طرق الشحن الشمالية، ما قد يعيد توجيه التجارة العالمية.

 

زيارة نائب الرئيس الأميركي إلى غرينلاند في آذار/مارس 2025. (أ ب)
زيارة نائب الرئيس الأميركي إلى غرينلاند في آذار/مارس 2025. (أ ب)

 

"الحلم القديم – الجديد"
بدأ الاهتمام الأميركي مبكراً بهذه الجزيرة، فبين 1867–1868 وبعد أن اشترت الولايات المتحدة ألاسكا من روسيا، ناقش مسؤولون في عهد وزير الخارجية ويليام سيوارد فكرة الاستحواذ على غرينلاند، في إطار توجّه أوسع للتوسّع في منطقة القطب الشمالي، إلا أنّ الفكرة لم تتطوّر إلى عرض رسمي إذ لم يُبدِ الكونغرس اهتماماً بالسعي إلى اقتناء إقليم قطبي آخر.

في عهد الرئيس ويليام هوارد تافت عام 1910، طرح دبلوماسيون أميركيون خطّة لتبادل أراضٍ، كانت ستُنقل بموجبها غرينلاند إلى الولايات المتحدة مقابل تنازلات في أماكن أخرى غير أن الدنمارك رفضت الاقتراح.

عام 1946، كان شراء العرض الرسمي، فمع بداية الحرب الباردة، قدّمت إدارة الرئيس هاري ترومان عرضاً رسمياً إلى الدنمارك لشراء غرينلاند مقابل 100 مليون دولار ذهباً، ولكن قوبل الاقتراح أيضاً بالرفض.

على ما يبدو أن المسؤولين الأميركيين استوحوا من صفقة بيع جزر فيرجن في البحر الكاريبي عام 1917، حين أقدمت الولايات المتحدة نهاية الحرب العالمية الأولى على شرائها مقابل 25 مليون دولار.

 

غرينلاند. (أ ب)
غرينلاند. (أ ب)

 

للمفارقة، شهدت الولايات المتحدة تاريخياً صفقات كبرى عدّة:

-عام 1803، تنازلت فرنسا بقيادة نابوليون بونابرت عن إقليم لويزيانا الذي يزيد على مليوني كيلومتر مربّع مقابل 15 مليون دولار، مضاعفة مساحة الولايات المتحدة آنذاك من 17 ولاية فقط.

-عام 1819، حصلت واشنطن على فلوريدا من إسبانيا بموجب معاهدة آدامز–أونيس، مقابل تسوية مطالبات مالية حدودية قيمتها نحو 5 ملايين دولار.

-مع المكسيك، توسّعت الولايات المتحدة جنوباً وغرباً، أولاً عام 1848 عبر معاهدة غوادالوبي–هيدالغو بعد الحرب الأميركية–المكسيكية، التي منحت واشنطن أراضي شملت كاليفورنيا ونيفادا ويوتا وأجزاء من أريزونا ونيو مكسيكو وكولورادو مقابل 15 مليون دولار، إلى جانب التنازل عن مطالبات مالية ضد المكسيك. وثانياً، صفقة غادسدن عام 1854، لشراء نحو 77 ألف كيلومتر مربع جنوب أريزونا وجنوب نيو مكسيكو مقابل 10 ملايين دولار، بهدف تأمين مسار سكك حديدية وتعزيز السيطرة على الحدود.

-عام 1867، اشترت الولايات المتحدة ألاسكا من روسيا بمبلغ 7.2 ملايين دولار، بعد هزائم روسيا في حرب القرم. 

-عام 1898 وبعد الحرب الإسبانية–الأميركية، حصلت واشنطن على الفيليبين من إسبانيا مقابل 20 مليون دولار، وبقيت تحت الإدارة الأميركية حتّى نالت استقلالها عام 1946.

ولا بدّ من الإشارة إلى أن وزارة الدفاع الأميركية تشغّل قاعدة "بيتوفيك الفضائية" النائية في شمال غربي غرينلاند، والتي أُنشئت بعد توقيع معاهدة الدفاع عن غرينلاند بين الولايات المتحدة والدنمارك عام 1951. القاعدة، المعروفة سابقاً باسم "ثول"، تُعدّ نقطة محورية في حضور الولايات المتحدة العسكري في القطب الشمالي، وتُستخدم لمراقبة التهديدات الصاروخية وتتبّع الأجسام الفضائية، ضمن إطار اتّفاقيات دفاعية موسّعة بين البلدين.

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 1/23/2026 9:56:00 PM
توقيف محمود منصور المقرّب من ماهر الأسد بعد استدراجه من لبنان إلى القلمون
مجتمع 1/24/2026 1:51:00 PM
عون يتابع انهيار مبنى القبة في طرابلس، ويوعز للأجهزة المختصة رفع الأنقاض وإنقاذ العالقين، مع فتح تحقيق لتحديد المسؤوليات.
لبنان 1/24/2026 6:52:00 PM
لا تزال ابنته اليسار، وهي ممرضة في المستشفى الحكومي، مفقودة حتى الساعة.
لبنان 1/25/2026 9:08:00 AM
كيف سيكون طقس مطلع الأسبوع؟