منذ أيام قليلة، بلغت الحرب الروسية على أوكرانيا رقماً قلّة توقعته خلال الأيام الأولى للغزو. وليس المقصود هنا العدد الكبير للخسائر البشرية الروسية والتي يمكن المجادلة في أن الأرقام المتوفرة بشأنها غربية المصدر. الرقم الجديد ليس مثيراً للجدل، لكنه مع ذلك، يبقى سلبياً للروس.
1418
في 13 كانون الثاني/ يناير، تخطت الحرب عتبة الـ 1418 يوماً، وهي الفترة الزمنية الكاملة التي استغرقتها الجبهة الشرقية في الحرب العالمية الثانية بين السوفيات والنازيين، والمعروفة أيضاً في روسيا باسم "الحرب الوطنية العظمى".
اندلعت الحرب حين أطلق أدولف هتلر "عملية بربروسا" في 22 حزيران/يونيو 1941 وانتهت مع إعلان موسكو النصر في 9 أيار/مايو 1945. في أوكرانيا، صوّرت روسيا حربها كنسخة ثانية من الصراع ضد "النازيين". لكن الاتهام السياسي لم يحجب العيوب الكبيرة في الجيش الروسي، وخلفه الدولة التي كانت تصبو لاستعادة الأمجاد السوفياتية، إن لم يكن على مستوى الفكر والعقيدة، فعلى مستوى القوة والتأثير.
فرق هائل
تاريخياً، بدأ السوفيات يقلبون الحرب لمصلحتهم بعد فترة قصيرة نسبياً. في كانون الأول/ديسمبر 1941، صدّت موسكو تقدّم الألمان، وفي شباط/فبراير 1943، انتصروا في ستالينغراد. بالحد الأقصى، استلم السوفيات زمام المبادرة بعد عامين على الحرب.
بالمقابل، لا تبدو روسيا قادرة على قلب مجريات الميدان جذرياً لمصلحتها بعد نحو أربعة أعوام على الغزو. فبعد 1400 يوم، كان السوفيات قد اجتازوا أكثر من 1500 كيلومتر إلى الغرب. حالياً، بالكاد اجتاز الجيش الروسي عشرات الكيلومترات في بعض الأماكن.
في دونيتسك مثلاً، وبعد اندلاع الحرب فيها منذ سنة 2014، لا تزال مدنها الكبرى صامدة. حتى على مستوى المدن الصغيرة، يعاني الروس في التقدم. تواصل بوكروفسك التي بدا وضعها يائساً قبل شهرين استعصاءها على الروس، بالرغم من أن وضعها لم يتحسن. والمسافة الفاصلة بين مدينة دونيتسك التي كانت خاضعة للموالين للروس عشية الحرب، وبين مدينة بوكروفسك، تبلغ نحو 60 كيلومتراً وحسب.
ثم هناك مفاجأة كوبيانسك التي حررتها أوكرانيا بعدما دعا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الصحافيين لزيارتها والتأكد من سيطرة جيشه عليها. باختصار، دخل الجيش الروسي فصل الشتاء وهو خالي الوفاض تقريباً، في وقت كانت موسكو بحاجة إلى نصر معنوي تحفّز به واشنطن على دعم مطالبها.
أسئلة سيكولوجية... ومعضلة
من المرجح أن تثير هذه النتائج المتواضعة وقفة تأمل صعبة في الكرملين، لأن الرقم 1418 مرتبط بواحدة من أهم السرديات الرسمية الروسية عن البطولة والتضحيات. لكن بينما كان السوفيات يتلمسون نتائج تضحياتهم خلال تلك الحرب بطريقة تدريجية، تبدو المكاسب الروسية الحالية في أوكرانيا مراوغة.
وما يزيد الأمر سوءاً أن الحرب ستطوي عامها الرابع بعد نحو 5 أسابيع، مجدداً، من دون نتائج ميدانية تُذكر. قد تتمثل بعض الاستثناءات في السيطرة على كامل بوكروفسك وفي تحقيق تقدم أكبر نحو مدينة زابوريجيا. في ذلك المحور، يبدو أن القوات الروسية تحقق الاختراق "الأسرع" على طول خط الجبهة.
مع ذلك، قد لا يعني مرور الـ 1418 يوماً على الحرب الحالية الكثير بالنسبة إلى الكرملين. رمزياً أيضاً، دامت معركة باخموت أكثر من معركة ستالينغراد مثلاً. والمؤشرات تؤكد أن روسيا متجهة لخوض حرب طويلة، وقد أخذت أوكرانيا ذلك بالحسبان مع التعديلات الحكومية التي أجرتها مؤخراً. في وقت يتهاوى حلفاء روسيا حول العالم، ليس الوقت مناسباً للكرملين كي يوقف الحرب. ليس أن إطالة أمدها مناسبة هي الأخرى.
نبض