بدأ بانهيار جليدي وانتهى بـ"جدار موت"... ماذا حدث في نيبال؟
لم تكن الكارثة التي ضربت نيبال مجرد فيضان تقليدي أو انهيار جليدي عابر. فما بدأ على ارتفاع آلاف الأمتار في جبال الهيمالايا تحوّل خلال وقت قصير إلى كتلة هائلة من الصخور والجليد والمياه والطين، اندفعت عبر الوادي مدمرةً كل ما اعترض طريقها، ومخلّفةً مئات القتلى والمفقودين.
لكن كيف يستطيع انهيار جليدي أن يولّد قوة تدميرية بهذا الحجم؟ وما الذي حدث فعلياً في أعالي الجبال قبل أن يصل "جدار الموت" إلى المناطق المأهولة؟
يشرح أستاذ الجيومورفولوجيا التطبيقية في جامعة نيوكاسل ستيوارت دانينغ، المتخصص في الحد من مخاطر الكوارث في المناطق الجبلية المرتفعة لـ"كونفرذايشن"، أن العلماء لا يزالون يعملون على تحديد التسلسل الدقيق للكارثة، إلا أن المعطيات الأولية ترسم صورة لما يسميه الخبراء "سلسلة مخاطر" بدأت بانهيار صخري وجليدي ضخم.
من ارتفاع 4800 متر بدأت الكارثة
بحسب دانينغ، بدأ انهيار مكوّن من الصخور والجليد على ارتفاع نحو 4800 متر، قبل أن تهوي الكتلة لمسافة عمودية تجاوزت 1200 متر.

ولا يزال العلماء يبحثون في السيناريو الدقيق لبداية الانهيار: هل انهارت كتلة ضخمة من الصخور وسحبت معها الجليد؟ أم تسبب انهيار صخري في زعزعة استقرار النهر الجليدي فسقط بعده مباشرة؟ أم أن الجليد انهار أولاً وتبعته الصخور الموجودة فوقه؟
لكن المؤكد أن كمية الجليد التي كانت ضمن الكتلة المنهارة، وربما الجليد الإضافي الذي جرفته أثناء اندفاعها، كانت كافية لتوفير المياه اللازمة لتحويل الانهيار إلى تدفق هائل من الحطام.
كيف تحوّل الجليد إلى مياه وطين؟
تكمن خطورة ما حدث في أن الكتلة لم تبقَ مجرد انهيار جاف من الصخور والجليد.

فخلال السقوط العنيف والتفتت، ولّدت عملية الاحتكاك حرارة ساهمت في ذوبان كميات كبيرة من الجليد. ومع اندفاع الكتلة نحو الأسفل، اختلطت المياه بالصخور والتراب والحطام، لتتشكل كتلة شديدة السيولة والسرعة.
ومع وصولها إلى مجرى النهر، اكتسبت مزيداً من المياه، وبدأت تجرف أرضية الوادي وجوانبه، حاملةً معها كميات إضافية من الصخور والتربة والمواد المختلفة.

وهكذا تضخمت الكتلة تدريجياً خلال رحلتها، قبل أن تترسب كميات هائلة من الحطام في المناطق الواقعة أسفل الوادي.
ليس فيضان بحيرة جليدية
في الساعات الأولى للكارثة، كان الاعتقاد أن نيبال تعرضت لما يعرف بفيضان انفجار بحيرة جليدية، أو "GLOF"، وهي ظاهرة تحدث عندما تنهار الحواجز التي تحجز مياه بحيرة تكونت بفعل ذوبان الجليد، فتندفع المياه فجأة إلى أسفل الوادي.

لكن التحليلات أظهرت أن هذا التفسير لا ينطبق على الكارثة الحالية، إذ لم تكن هناك بحيرة جليدية وراء الفيضان.
ولهذا يفضل دانينغ وصف ما حدث بأنه "سلسلة مخاطر" أو "سلسلة عمليات"، بدأت بانهيار كميات غير محددة حتى الآن من الصخور والجليد، قبل أن تتطور إلى تدفق مدمر من المياه والطين والحطام.
الأقمار الاصطناعية تكشف مسار الكارثة
تلعب صور الأقمار الاصطناعية دوراً محورياً في محاولة إعادة بناء ما حدث، خصوصاً أن نقطة بداية الكارثة تقع في منطقة جبلية نائية يصعب الوصول إليها.
وتتيح الصور تحديد المكان الذي بدأ منه الانهيار والمسار الذي سلكه، كما تساعد الخبراء على اكتشاف مخاطر ثانوية قد تظهر بعد الكارثة، مثل تجمع المياه خلف سدود طبيعية تشكلت من الحطام، ما قد يؤدي إلى فيضانات مفاجئة جديدة.

ويجمع العلماء هذه الصور مع تسجيلات الزلازل والصور ومقاطع الفيديو الملتقطة على الأرض، في محاولة لتحديد سرعة التدفق وعمقه ونسبة المياه التي احتواها.
ما علاقة تغير المناخ؟
يشير دانينغ إلى أن تغير المناخ يؤدي دوراً في زيادة هشاشة البيئة الجبلية في الهيمالايا، وإن لم يكن العامل الوحيد وراء مثل هذه الكوارث.
فالأنهار الجليدية عموماً تتراجع وتصبح أكثر رقة، تاركةً وراءها بحيرات جليدية ومنحدرات غير مستقرة. وفي الوقت نفسه، يؤدي ذوبان التربة الصقيعية إلى إضعاف الصخور، إذ تعمل هذه الطبقة المتجمدة أحياناً مثل "الغراء" الذي يساعد على إبقاء الكتل الصخرية متماسكة.
وتتداخل هذه العوامل مع الطبيعة الجيولوجية للهيمالايا وتأثيرات الزلازل السابقة والارتفاع السريع للجبال، ما يجعل بعض المنحدرات أكثر عرضة للانهيار.
لكن الخطر لا يرتبط بالطبيعة وحدها. فعدد السكان الذين يعيشون في هذه المناطق الجبلية المعرضة للمخاطر بات أكبر من أي وقت مضى.
لماذا كان الدمار هائلاً؟
يقول دانينغ إن القليل جداً من المنشآت يستطيع الصمود أمام "جدار من الطين والصخور والمياه" يتحرك بهذه السرعة.
فكل ما يقع في قاع الوادي يصبح في مسار مباشر للتدفق، وحتى المنشآت الموجودة على الأجزاء المنخفضة من جوانب الوادي قد تتعرض للدمار عندما تندفع الكتلة حول المنعطفات.
وهنا تختلف الهيمالايا عن مناطق جبلية أخرى. فالانهيارات الصخرية تحدث بانتظام فوق الأنهار الجليدية في ألاسكا مثلاً، وقد تقطع كيلومترات عدة، لكنها لا تتحول دائماً إلى تدفقات شديدة السيولة، كما أن التجمعات السكانية لا تقع بالضرورة مباشرة أسفلها.
أما في الهيمالايا، فتقع مجتمعات محلية كثيرة على مسافات قريبة نسبياً من الأنهار الجليدية شديدة الانحدار والمتراجعة.
هل كان يمكن تجنب الكارثة؟
تبدو مراقبة هذا النوع من المخاطر أكثر تعقيداً من مراقبة البحيرات الجليدية، إذ توجد آلاف المنحدرات التي قد تكون معرضة للانهيار في المنطقة، ولا يمكن مراقبة كل واحد منها بصورة مستمرة.
وبحسب دانينغ، لم يرصد الخبراء حتى الآن مؤشرات واضحة كان يمكن أن تنبئ مسبقاً بالانهيار.
وكان في نيبال مقياس يرصد تدفقات المياه الآتية من مجموعة من الوديان. وعندما سجل ارتفاعاً سريعاً في مستوى المياه، أُرسلت تحذيرات، وفق المعلومات المتاحة للخبير.
لكن التحدي الحقيقي يكمن في منح السكان مزيداً من الوقت للتحرك.
دقائق قد تصنع الفارق بين الحياة والموت
يرى العلماء أن إحدى الأدوات الواعدة تكمن في الاستفادة من الإشارات الزلزالية، إذ تولد الانهيارات الأرضية وحتى الفيضانات إشارات يمكن التقاطها عبر شبكات الرصد.

وتجري محاولات لتطوير القدرة على تحليل هذه الإشارات بسرعة أكبر والتمييز بين الزلازل والانهيارات، بما يسمح بإطلاق الإنذارات في وقت مبكر.
لكن كيفية الاستجابة تختلف من مكان إلى آخر. فقد لا يملك بعض السكان سوى دقائق للهرب، بينما يمتلك آخرون ساعات. وفي بعض المواقع قد يكون اللجوء إلى مبنى خرساني مرتفع الخيار الأسرع، بينما يكون الصعود إلى منطقة مرتفعة أكثر أماناً في أماكن أخرى.
وتكشف كارثة نيبال بذلك عن وجه جديد ومعقد للأخطار في الهيمالايا: انهيار يبدأ بعيداً في أعالي الجبال، ثم تتضاعف قوته خلال رحلته إلى الأسفل حتى يتحول إلى جدار من الماء والطين والصخور. ومع تراجع الأنهار الجليدية وتزايد هشاشة المنحدرات، يصبح تطوير أنظمة الإنذار والاستعداد المحلي أكثر إلحاحاً، إلى جانب الاعتراف بحقيقة قاسية يشدد عليها الخبراء: بعض المناطق قد تكون شديدة الخطورة إلى درجة لا تسمح بالسكن فيها.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
طقس نهاية الأسبوع في لبنان: ماطر بغزارة مع برق ورعد واحتمال تساقط حبات من البرد وتشكّل السيول
نبض