روسيا وعالَم شي جينبينغ... حقبة ما بعد الشكّ
العلاقة بين الصين وروسيا اليوم أفضل مما كانت عليه في ظل الحرب الباردة. ما علاقة وصيّة محبّبة إلى قلب شي جينبينغ بتعزيز العلاقة مع روسيا؟
في مثل هذا الشهر من سنة 2002، توفي شي جونغشون، والد الرئيس الصيني الحالي شي جينبينغ. إن كان لموضوعٍ سياسي بارز أن يذكّر شي الابن بمسيرة والده فهو بالتأكيد روسيا. لذا، وبينما يستضيف شي نظيره الروسي فلاديمير بوتين، ثمة الكثير من شريط الذكريات التي تمر في ذهن الرئيس الصيني، بالرغم من أنها ليست كلها إيجابية.
بين الصين وستالين... "فِجلة"
تولى شي الأب قيادة العلاقات مع الاتحاد السوفياتي بصفته رئيساً للمكتب الشمالي الغربي بدءاً من سنة 1945. وفي صيف 1959، ترأس شي وفداً صينياً إلى موسكو، لكن وسط ظروف سيئة. قتل الصينيون حينها جنوداً من الهند في اشتباك حدودي، واشتبه السوفيات بأن الصين تريد إبعاد الهند عنهم. وتتالى التوتر مما اضطر شي إلى قطع زيارته لكنه تمكن من إجراء جولة في مكتب لينين. وبعدما "أفلت" من حملتي تطهير سابقتين طالتا من هم على علاقات جيدة بالسوفيات، سقط شي الأب من حظوة ماو، فعاش في المنفى السياسي لنحو 16 عاماً. أخيراً، أعيد إليه الاعتبار بعد وفاة ماو، وأصبح يُعرف لاحقاً بانتمائه إلى "الكبار الثمانية" في الصين.

ساد التشكيك المتبادل بين القادة على طرفي الحدود. توجس الزعيم السوفياتي الأسبق جوزف ستالين من استقلال الصين عنه، وعامل ماو بازدراء، حتى أنه جعله ينتظر في إحدى الشقق الريفية الصغيرة على مشارف موسكو – طوال أكثر من أسبوع – قبل لقائه. الأسوأ، أن الشقة كانت مزروعة بأجهزة التنصت، وأن المرحاض فُصل عن خط الصرف الصحي الرئيسي وزُوّد بآلية تجميع مخفية لدراسة إفرازات ماو، وبالتالي حالته النفسية. (بي بي سي نقلاً عن عميل سوفياتي سابق، 2016).
كذلك، وصف ستالين ماو بأنه "فجلة". فكما أن الفجلة حمراء من الخارج وبيضاء من الداخل، كان ماو شيوعياً "في الظاهر" فقط وقومياً وطنياً في الجوهر. (بالنسبة إلى الشيوعيين، كان الأحمر يرمز إلى الثورة والأبيض إلى القوى التقليدية والمضادة للثورة).

وانزعج ستالين من ارتكاز نظام ماو إلى تعزيز قوة المزارعين، فيما كانت الماركسية-اللينينية تعتبر البروليتاريا ركيزة الثورة الحقيقية. اتسمت العلاقة بين ستالين وماو بالتوتر منذ الحرب الأهلية الصينية وحتى الحرب الكورية. وبعد وفاة ستالين، حصل ماو على انتقامه وراح ينظر بازدراء إلى نيكيتا خروتشيف، وبارتياب إلى المسؤولين الصينيين المقربين من موسكو. قد تكون تلك المعاناة التي شهدها ماو في موسكو هي ما أثّر على نظرته السوفيات والمقربين منهم.
شي جينبينغ وروسيا... و"الوصيّة"
في وقت كان الاتحاد السوفياتي وماو يتبادلان الاتهامات بشأن عدم التزام كل منهما بالماركسية، باتت العلاقة الثنائية اليوم متحررة من الشكوك الآيديولوجية المتبادلة. يولي شي الابن اهتماماً كبيراً بالعقيدة، لكنه يدرك أن بوتين لا يشاطره الأمر. يرتبط حزن الرئيس الروسي على انهيار الاتحاد السوفياتي بالقوة العالمية التي منحها لموسكو، أكثر من ارتباطه بأي عامل فكري آخر. لكن اللافت للنظر أن التباين الفكري للحكومتين في موسكو وبكين منح البلدين استقراراً منشوداً. سمح ذلك بتوطيد العلاقة أكثر مع بوتين. فمنذ توليه الرئاسة سنة 2013، أجرى شي العدد الأكبر من الزيارات الخارجية إلى روسيا، مع 11 زيارة رسمية.
مع ذلك، لم تستطع العلاقة الشخصية بين الرئيسين دفع بلديهما إلى تجاوز إطار الشراكة نحو بناء تحالف. يرغب بوتين مثلاً بأن تدعم الصين الحرب المتعثرة في أوكرانيا بما هو أكثر من مكونات الاستخدام المزدوج (أمر ينفيه الصينيون أصلاً)، ناهيكم عن شراء الطاقة بأسعار مخفّضة. لكن ذلك لم يحصل. ستواصل الصين الاهتمام بالحفاظ على العلاقات مع العالم الغربي، لأنها ازدهرت عبر مؤسساته والتجارة معه. قد ترغب بتغيير النظام الدولي (نفت ذلك أيضاً)، إنما تدريجياً، لا عبر الصدمات المتتالية كما فعلت روسيا والتي يبدو أن تكتيكها يصطدم بحائط مسدود.

لكن بعكس الحرب الباردة، يحاول شي عبر استقباله بوتين تهدئة أي قلق من إمكانية تخلي الصين عن روسيا. بحسب الباحث في شؤون روسيا والصين جوزف توريجيان، قال شي الأب لابنه إن على روسيا والصين البقاء صديقتين على الدوام. وجال شي الابن في موسكو سنة 2010 وقد طلب من الرئيس السابق دميتري مدفيديف أخذه إلى مكتب لينين الذي زاره والده سنة 1959.
باختصار، العلاقة الثنائية اليوم تتسم بالهدوء؛ ربما بالتحديد لأن لكل طرف توقعات محدودة، وغير مؤدلجة، من الآخر. وربما أيضاً، بسبب "وصيّة" شي جونغشون.
نبض