"فخ ثوسيديديس" أو الانفجار بين أميركا والصين
ما هو هذا الفخ الذي تطرق إليه الرئيس الصيني شي جينبينغ حين كان يخاطب نظيره الأميركي دونالد ترامب؟ وهل باتت الحرب أكثر احتمالاً؟
"لقد كتبتُ عملي ليس كمجلّد يهدف إلى نيل استحسان اللحظة، بل كمِلكيّة تدوم إلى الأبد".
بالفعل، ضمن الجنرال الأثيني ثوسيديديس (460-400 ق.م.) تأبيد عمله. بعد أكثر من 2400 عام، يستذكره رئيس صيني يسعى إلى تفادي حرب عظمى مع القوة المطلقة في عصره. مع ذلك، لم يكن الرئيس شي جينبينغ أول من تذكر ثوسيديديس، مؤرّخ الحرب البيلوبونيسية الشهيرة بين أثينا وإسبرطة (431-404 ق.م.) والذي يعتبره البعض "أبا التاريخ العلميّ".

في الواقع، وأمام ضيفه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، استخدم شي عبارة "ما يسمى" بـ "فخ ثوسيديديس"، متسائلاً عما إذا كان بالإمكان تجاوزه. فمن ابتكر العبارة، بناء على خلاصة الجنرال الأثيني، كان عالِم السياسة من هارفارد غراهام أليسون في مقال سنة 2012، وطوّره لاحقاً إلى كتاب "نحو الحرب: هل تستطيع أميركا والصين الإفلات من فخ ثوسيديديس؟"
أنتج الضغط البنيوي المتجلي بصعود أثينا وتهديدها للقوة المهيمنة والخائفة على موقعها، إسبرطة، صراعاً دامياً انتهى بانتصار الأخيرة. لو كان مثلٌ كهذا نادراً، لما استحق كل الضجة. إنما خلال الأعوام الـ 500 الماضية، وفي 12 حالة تاريخية من أصل 16، أنتج صعود الدول وتحديها للطرف المهيمن حرباً ضروساً، بحسب أليسون.
قمة بين الصين وأميركا... أم بين ترامب وشي؟
قبل وخلال القمة، كرر ترامب مناداة نظيره الصيني بـ "الصديق". كان شي بصورة عامة أقل استخداماً لهذا الوصف. ليس لأن شي لا يكنّ المودّة لترامب، بل لأنه يمثّل دولة. ولا صداقات (دائمة) بين الدول، كما قال ونستون تشرشل، رئيس الوزراء البريطاني الأسبق. لكن ثمة ما هو أبعد.

أعاد شي تعزيز القومية الصينية طوال فترة حكمه التي بدأت منذ أواخر 2012. هو لم يتخلّ عن الماركسية-اللينينية، بل أعاد تعزيزها وبقوة. سنة 2019، أدخل حملة تعليم على مستوى حزبي عريض بعنوان: "لا تنسوا غاية الحزب الأساسية، أبقوا المهمة في عقولكم". لكن في الوقت نفسه، جعل شي من "النهضة العظيمة للأمة الصينية" شعاراً ملازماً لحكمه ومرادفاً لـ "الحلم الصيني" الذي ينبغي أن يتحقق بحلول سنة 2049.
حتى لو كان ترامب مستعداً لتقديم التنازلات، يدرك شي أن المؤسسات في واشنطن ستضغط بالاتجاه الآخر. روسيا ليست بعيدة من الصين. بالرغم من كل إعجاب ترامب برئيسها فلاديمير بوتين، لم تحصل روسيا على أي معاملة تفضيلية وازنة من واشنطن طوال ولايتيه. إذاً، لم تكن القمة بين ترامب وشي فقط، بل الأهم، بين دولتين، واحدة صاعدة والأخرى مهيمنة. الرؤساء يعملون بضرورات دولهم، لا برغباتهم الخاصة.
هل تفلت أميركا والصين من المصيدة؟
ثمة حاجة إلى معجزة. يقول البعض إن "الفخ" غير صحيح لأن صعود الصين بلغ ذروته، وقد بدأ اقتصادها مساره الانحداري، عند المقارنة مع الناتج القومي للولايات المتحدة. لكن ذلك لا يغيّر الصورة بالضرورة. ماذا لو كان الانحدار الديموغرافي هو الذي دفع روسيا إلى غزو أوكرانيا، قبل انغلاق النافذة؟ بالتالي، ماذا لو تكرر هذا الهاجس في الصين، حيث القوة الديموغرافية إلى تآكل، مما يؤدي إلى تحرك عسكري قريب في مضيق تايوان؟
حتى مع وضع المستوى الاقتصادي جانباً، ثمة صعود صيني متسارع في مجالات أخرى. تتوسع بكين بقوة في بحر الصين الجنوبي، كما حصل حين سيطرت سنة 2012 على شعاب سكاربورو المتنازع عليها والتي تطالب بها الفلبين. وأصبحت البحرية الصينية الكبرى عالمياً على مستوى عدد السفن، وإن كانت أميركا لا تزال تحتفظ بالحجم والتسليح والتقدم التكنولوجي في هذا المجال.
وليس أدل على القلق الأميركي في هذا المجال، من محاولة لحاق واشنطن ببكين على مستوى تصنيع السفن، لإعادة التوازن تقريباً إلى المعادلة في العقدين المقبلين. وثمة شك في نجاح هذه المحاولة. وإلى جانب توقع أن تطور الصين نحو ألف رأس نووي بحلول 2030، تبقى تايوان القضية الأكثر تفجراً والتي يمكن أن تدفع الطرفين سريعاً إلى المصيدة التاريخية. وهذا الموضوع بالتحديد، هو ما حذّر منه شي خلال القمّة.
الصين تخلع عباءة دينغ
قد لا تكون الصين مستعجلة للسيطرة على الجزيرة، ولا حتى للتفوق على الولايات المتحدة. لكن صعود الصين السريع في عهد شي، والتخلي عن "التوجيه الديبلوماسي" للزعيم الصيني الأسبق دينغ شياو بينغ عن "إخفاء القوة وتحيّن الفرصة"، ينذر بتسارع قوة الصين. كيف ستنظر واشنطن إلى ذلك؟
يعتقد شي أن نهضتي أميركا (ماغا) والصين يمكن "أن تسيرا جنباً إلى جنب". طموحٌ ينبغي العمل عليه. ثمة حالات استثنائية تعطل فيها "فخ ثوسيديديس" أو الاندفاع اللاإرادي إليه. لكن في هذه الحالات، تطلّب الأمر تنازلات مؤلمة من الطرفين، كما ذكّر أليسون.
نبض