الحرب على إيران تقلق آسيا... الطاقة والأمن في دائرة الخطر
مع اتساع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، بدأت تداعياتها تتجاوز الشرق الأوسط لتصل إلى آسيا، حيث تتزايد مخاوف الحلفاء من تحوّل الموارد العسكرية الأميركية بعيداً عن المنطقة، وفي وقت يثير اضطراب إمدادات الطاقة واحتمالات تغير موازين القوى قلقاً سياسياً واقتصادياً متزايداً.
دفعت الحملة العسكرية التي شنها الرئيس الاميركي دونالد ترامب ضد إيران حلفاء واشنطن في آسيا إلى التسارع للتصدي لأزمة طاقة قد تؤدي إلى زعزعة استقرار العديد من اقتصاداتهم في غضون أسابيع، في حين لم تلقَ نداءاتهم للحصول على توجيهات أو مساعدة من إدارة ترامب أي استجابة، بحسب "بوليتيكو".
تعد الدول الآسيوية من أكثر الدول تعرضاً لأزمة الطاقة التي أشعلتها الحرب على إيران، لأنها تعتمد بشكل كبير على النفط والغاز الطبيعي المسال الذي يمر عبر مضيق هرمز، والذي توقف فعلياً منذ الضربات الأميركية-الإسرائيلية الأولى على إيران قبل أسبوعين.
كذلك، يتزايد القلق لدى حلفاء واشنطن في شرق آسيا مع استمرار نقل الأسلحة والقدرات العسكرية الأميركية إلى الشرق الأوسط لدعم العمليات ضد إيران. فبينما لم يثر سحب حاملة الطائرات الأميركية الوحيدة المتمركزة في آسيا عام 2010 قلقاً كبيراً آنذاك، يرى مسؤولون حاليون وسابقون في مجال الدفاع أن المخاطر اليوم أكبر بكثير في ظل تصاعد القوة العسكرية الصينية وتطور ترسانة كوريا الشمالية الصاروخية، بحسب وكالة "بلومبرغ".
يرى الدكتور في العلوم السياسية في جامعة الحكمة نبيل خوري، في حديث إلى "النهار"، أن دول آسيا تنظر إلى الحرب بين الولايات المتحدة وإيران بوصفها نقطة تحوّل جيوسياسية كبرى، لما تحمله من تداعيات محتملة على أمنها القومي والاقتصادي.
ويشير إلى أن كثيراً من العواصم الآسيوية يترقب نتائج الحرب. فإذا سقطت إيران تحت السيطرة الأميركية-الإسرائيلية، تكون واشنطن قد حققت انتصاراً استراتيجياً، ما قد يبدّد موقتاً بعض هواجس حلفائها في آسيا، لكنه في المقابل سيزيد قلق خصومها، ولا سيما الصين، التي قد ترى في ذلك تهديداً مباشراً لمصالحها ومكانتها، خصوصاً إذا تفرغت واشنطن لاحقاً لمواجهة نفوذ بكين.

أما إذا فشلت واشنطن في فرض السيطرة على إيران أو طال أمد الحرب، فقد تتعزز مشاعر الريبة في آسيا. إذ تخشى دول حليفة للولايات المتحدة مثل اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان من تآكل المظلة الأمنية الأميركية نتيجة تحويل موارد عسكرية إلى الشرق الأوسط، ما قد يخلق فراغاً أمنياً في المحيط الهادئ. ويزداد القلق من احتمال استغلال الصين أو كوريا الشمالية لهذا الوضع لتغيير موازين القوى في شرق آسيا، بما قد يدفع دول المنطقة إلى تسريع سباق التسلح وتعزيز قدراتها الدفاعية الذاتية.
اقتصادياً، تخشى دول آسيوية مستوردة للطاقة من تداعيات استهداف منشآت النفط والغاز في الخليج وإغلاق مضيق هرمز، لما لذلك من أثر على الإمدادات وسلاسل التوريد. وقد يدفع ذلك بعض الدول إلى البحث عن بدائل، بما في ذلك تعزيز التعامل مع روسيا أو اللجوء إلى مصادر أكثر كلفة.
بدوره، يقول الدكتور في العلوم السياسية في الجامعة اللبنانية إياد سكرية لـ"النهار" إن المشهد الدولي في الحرب الدائرة شديد التعقيد، لأن مواقف الدول تنطلق أساساً من حسابات المصالح. ويظهر ذلك في موقف روسيا والصين خلال جلسة مجلس الأمن التي ناقشت إصدار قرار يدين الهجمات الإيرانية على الخليج، إذ لم تستخدم أي منهما حق النقض لصالح طهران، رغم علاقاتهما الاستراتيجية معها.
ويشير سكرية إلى أن كثيرين يخلطون بين الاتفاقيات الاستراتيجية والتحالفات الدفاعية. فالاتفاقية التي وقعتها روسيا وإيران عام 2025 لمدة عشرين عاماً تتعلق أساساً بالتعاون الاقتصادي وبعض المناورات العسكرية والتقنية، لكنها ليست اتفاقية دفاع مشترك على غرار حلف شمال الأطلسي. لذلك لا تُلزم موسكو التدخل عسكرياً إذا تعرضت إيران لهجوم، وهو ما يفسر الحذر الروسي في مجلس الأمن. ويضيف أن روسيا قد تقدم دعماً تقنياً أو استشارياً محدوداً، خصوصاً في ظل العلاقة التي نشأت بعد تزويد إيران موسكو بالمسيّرات خلال الحرب في أوكرانيا، لكنها لن تذهب إلى مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.
ويرى سكرية أن روسيا قد تكون من أكبر المستفيدين من الحرب، إذ يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة إلى زيادة الطلب على نفطها وغازها رغم العقوبات، في وقت تحتاج فيه دول مثل الهند وحتى بعض الدول الأوروبية إلى مصادر إضافية للطاقة.
أما الصين، فيوضح أنها ترتبط بإيران باتفاقية استراتيجية طويلة الأمد وُقعت عام 2021، لكنها أيضاً لا تتضمن التزاماً دفاعياً. ورغم أن بكين تتضرر من اضطراب إمدادات الطاقة، فإن أولويتها تبقى الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي العالمي، نظراً لاعتماد اقتصادها على التجارة وسلاسل التوريد.
ويخلص سكرية إلى أن تداخل المصالح العالمية يجعل الاصطفافات أقل وضوحاً من الماضي. فالصين منشغلة بتايوان، وروسيا بالحرب في أوكرانيا، فيما تعتمد دول آسيوية مثل اليابان وكوريا الجنوبية على النفط الخليجي وترتبط أمنياً بواشنطن. لذلك تبقى مواقف الدول دقيقة ومحكومة بحسابات الربح والخسارة، ما يجعل المشهد الدولي أكثر تعقيداً من مجرد انقسام إلى معسكرين متقابلين.
نبض