الحرب على إيران تفتح نافذة للصين في آسيا... وتقلق حلفاء أميركا
مع اتساع الحرب في إيران، بدأت تداعياتها تتجاوز الشرق الأوسط لتصل إلى آسيا، حيث يثير تحويل الموارد العسكرية الأميركية تساؤلات حيال التوازنات الإقليمية. ويرى محللون أن الصراع قد يمنح الصين فرصاً استراتيجية، في وقت يختبر فيه التزام واشنطن الأمني تجاه حلفائها في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
أعادت الولايات المتحدة توجيه جزء من قدراتها العسكرية من آسيا إلى الشرق الأوسط مع تصاعد الحرب في إيران، بما في ذلك نقل أنظمة دفاع جوي متطورة وصواريخ اعتراضية من كوريا الجنوبية. ويشير هذا التحول إلى الضغوط التي يفرضها الصراع على الاستراتيجية الأميركية التي تعلن منذ سنوات أن منطقة المحيطين الهندي والهادئ هي أولويتها الأمنية، بحسب صحيفة "نيويورك تايمز".
ويقول أستاذ العلاقات الدولية والباحث المتخصص في الشؤون الصينية الدكتور نبيل سرور، لـ"النهار"، إن الحرب الدائرة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى تتطلب قدرات عسكرية ولوجستية كبيرة. ويوضح أن الولايات المتحدة كانت تمتلك بالفعل بنية عسكرية واسعة في المنطقة، تشمل قواعد عسكرية وحاملات طائرات وأنظمة رادار ومراكز تحكم واستشعار عن بعد، إضافة إلى حضور عسكري كبير داخل إسرائيل.
لكن الضربات الإيرانية، بحسب سرور، استهدفت عدداً من القواعد والتجهيزات اللوجستية الأميركية، ما أدى إلى إخراج جزء منها من الخدمة. وهذا الأمر دفع واشنطن إلى تعويض الخسائر عبر نقل معدات وأنظمة دفاعية وتقنيات عسكرية متقدمة من مناطق أخرى، ولا سيما من شرق آسيا ومحيط تايوان.
ويرى أن هذا التحول "قد يخلق فراغاً جيوسياسياً في شرق آسيا، يمكن أن تستفيد منه الصين لتعزيز حضورها الإقليمي، خصوصاً في بحر الصين الجنوبي وحول تايوان". ويضيف أن سحب جزء من القدرات العسكرية الأميركية من تلك المنطقة "قد يمنح بكين فرصة لتوسيع نفوذها السياسي والاقتصادي والعسكري، وربما لإعادة رسم موازين القوى هناك".
قبل اندلاع الحرب، أعادت واشنطن بالفعل توجيه مجموعة حاملة طائرات من بحر الصين الجنوبي إلى الشرق الأوسط، كما نقلت بطاريات صواريخ "باتريوت" ومعترضات من نظام "ثاد". ويثير ذلك قلق حلفاء الولايات المتحدة في آسيا الذين يواجهون صعوداً عسكرياً صينياً متزايداً، بينما تتقلص الموارد الدفاعية المتاحة لهم.
ويرى محللون أن هذا التحول قد يعزز السردية الصينية القائلة إن الولايات المتحدة قوة مشتتة ومنهكة بصراعات الشرق الأوسط، ما يمنح بكين فرصة لتعزيز نفوذها السياسي والاقتصادي في المنطقة.
فالتداعيات الاقتصادية والأمنية للحرب تتشابك، إذ يضع ارتفاع أسعار النفط ضغوطاً كبيرة على اقتصادات آسيا الصناعية التي تعتمد بدرجة كبيرة على واردات الطاقة من الشرق الأوسط. وقد شهدت أسواق الأسهم في المنطقة تراجعات ملحوظة، فيما يؤثر تقنين توزيع الوقود في بعض الدول، مثل الفيليبين، بشكل خاص على حلفاء الولايات المتحدة. ويمنح ذلك الصين فرصة لتعزيز خطابها بأنها الشريك الأكثر موثوقية في المنطقة.
في الوقت نفسه، تكشف الحرب عن قيود في القدرات الصناعية العسكرية الأميركية. فالاستهلاك السريع للصواريخ الدفاعية والهجومية يثير مخاوف من تأخير تسليم الأسلحة لحلفاء مثل اليابان وتايوان، وهو ما قد يضعف الثقة في قدرة واشنطن على دعم شركائها في حال نشوب أزمات.
نتيجة لذلك، قد تدفع هذه التطورات دولاً آسيوية إلى تسريع برامجها العسكرية وتعزيز الاكتفاء الذاتي الدفاعي. وبينما تنشغل الولايات المتحدة بحرب مكلفة في الشرق الأوسط، قد تجد الصين مساحة أوسع لترسيخ نفوذها الاستراتيجي في آسيا.
ويشير سرور إلى أن الصين قد تسعى إلى استغلال أي تراجع في الوجود الأميركي لتعزيز موقعها كقوة كبرى منافسة للولايات المتحدة، خصوصاً إذا شمل نقل القدرات الأميركية أنظمة إنذار مبكر ورادارات متقدمة كانت منتشرة قرب الصين.
ويخلص إلى أن الصراع الحالي يتجاوز أبعاده العسكرية ليحمل أبعاداً سياسية واقتصادية أوسع، لافتاً إلى أن "الحرب لا تزال في مراحلها الأولى، وأن تداعياتها قد تقود إلى تحولات أوسع في التحالفات الدولية وفي موازين القوى على المستويين الإقليمي والعالمي".
نبض