هل يعرقل تطهير الرئيس الصيني للجيش طموحات بكين تجاه تايوان؟
في لحظة تختلط فيها الفرص بالمخاطر، تعيد الصين ترتيب هرمها العسكري وسط تساؤلات داخلية وخارجية حيال الجاهزية والاستقرار. إقصاء قيادات بارزة من الجيش الصيني لا يعكس فقط تشديد قبضة الرئيس شي جينبينغ، بل يفتح نقاشاً أوسع بشأن تأثير هذه التحولات على حسابات الصين الاستراتيجية، ولا سيما في ملف تايوان.
وقال شي إن الخطر الكبير والفرصة الكبيرة غالباً ما يأتيان معاً. وهذا يتناسب حالياً مع قيامه بتطهير القيادة العليا للجيش الصيني، تاركاً فراغاً من المتوقع أن يملأه بجيل جديد من الموالين الذين اختارهم بعناية. كان إقصاء الجنرال الصيني الأعلى رتبة، تشانغ يو شيا عرضاً مذهلاً لهيمنة شي الاستبدادية على الجيش. لكن إفراغ قيادة الجيش من كبار المسؤولين يعقّد أيضاً طموح شي الطويل الأمد في إخضاع تايوان لسيطرة بكين، بالقوة، بحسب تقرير لـ"نيويورك تايمز".
ومن الشواغل الملحة بالنسبة لشي كيف ستؤثر الاضطرابات على هدفه الذي حدده لعام 2027 لتحديث الجيش، وكذلك - وفقاً لبعض مسؤولي الاستخبارات الأميركية - لاكتساب القدرة على غزو تايوان بنجاح.
تأتي الإطاحة السريعة للجنرال تشانغ وقائد آخر رفيع المستوى، الجنرال ليو زينلي، اللذين اتُهما بـ"انتهاكات جسيمة للانضباط والقانون"، في أعقاب اعتقال أو اختفاء عشرات الجنرالات والأدميرالات في السنوات الأخيرة.
تنقل الصحيفة الأميركية عن أستاذ العلوم السياسية في تايبيهكو تشين وين، أن "موجة التغييرات الواسعة والتطهير المتكرر في صفوف القيادة العليا للجيش الصيني خلال الفترة الماضية أسهمت موقتاً في خفض احتمالات اندلاع حرب كبرى تقودها بكين". ويملك شي اليوم نفوذاً شبه مطلق لإعادة تشكيل القيادة العسكرية، ما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة وغير مسبوقة داخل المؤسسة العسكرية.

لكن هذا المسار يرافقه ثمن محتمل، إذ يتوقع محللون أن يحتاج شي إلى سنوات لبناء جيل جديد من الضباط الموثوقين، وهو ما قد يبطئ زخم الجيش ويؤخر تحقيق أهدافه، بما فيها الجاهزية تجاه تايوان. ويرى بعض الخبراء أن هذه الاضطرابات قد تجعل شي أكثر حذراً في التعامل مع ملف تايوان، الذي يُنظر إليه كأزمة يجب تجنبها لا كفرصة للمواجهة.
في المقابل، يحذر محللون من أن القادة الجدد قد يفتقرون إلى الجرأة أو المكانة اللازمة لتقديم تقييمات عسكرية صريحة، ما يرفع مخاطر سوء التقدير. ورغم إقالة شخصيات بارزة مثل الجنرال تشانغ، تؤكد بكين عبر التعيينات والتدريبات الأخيرة المرتبطة بتايوان أن الجيش لا يزال قادراً على تنفيذ العمليات إذا صدرت الأوامر، وأن الاستعدادات الميدانية مستمرة إلى حد كبير بمعزل عن الاضطرابات السياسية.
ويقول الأستاذ في العلاقات الدولية والباحث المتخصص في الشؤون الصينية الدكتور نبيل سرور، لـ"النهار"، إن ما يجري داخل الجيش الصيني يندرج ضمن مقاربة مدروسة اعتمدها الرئيس شي لتحقيق هدفين أساسيين: "الأول، بحسب سرور، يتمثل في مكافحة الفساد داخل المؤسسة العسكرية لضمان نزاهة الضباط ومهنيتهم وإبعادهم عن المصالح التجارية والسياسية التي قد تسيء إلى سمعة الجيش وعقيدته القتالية. أما الهدف الثاني، فيكمن في إعادة تشكيل القيادة العسكرية على أساس الولاء للقيادة السياسية، بما يضمن انسجام المؤسسة العسكرية مع المشروع السياسي للرئيس وأولويات القيادة العليا".
ويرى سرور أن "هذا التوجه لا يتعارض مع هدف استعادة تايوان، بل يندرج ضمن رؤية استراتيجية واعية ومسبقة تعتبر الملف التايواني في صدارة حساباتها".
يبقى مستقبل طموحات بكين تجاه تايوان مرتبطاً بقدرة شي على الموازنة بين إحكام السيطرة السياسية وضمان فعالية عسكرية مستقرة، في مرحلة انتقالية قد تحمل فرصاً بقدر ما تنطوي على مخاطر.
نبض