شي في حديقة ترامب الخلفية... واشنطن تواجه نفوذاً صينياً بُني خلال عقدين
تمثل تحركات الرئيس الاميركي دونالد ترامب في فنزويلا وأميركا اللاتينية تحدياً مباشراً لنفوذ صيني تراكم على مدى عقدين عبر النفط والتجارة والتمويل. فبين التصعيد الأميركي واستعداد استخدام القوة، تقف بكين أمام اختبار صعب لحماية شبكة مصالح اقتصادية عميقة باتت جزءاً من واقع المنطقة.
بالنسبة لبكين، تمثل السيطرة الأميركية على فنزويلا هجوماً على مصدر نفطي استراتيجي دعّمته بقروض بمليارات الدولارات وشراكات طويلة الأمد. غير أن طموح ترامب يتجاوز فنزويلا إلى محاولة كسر الهيمنة الاقتصادية الصينية في المنطقة، حتى مع التلويح باستخدام القوة.
خلال عشرين عاماً، انتقلت الصين من حضور اقتصادي هامشي إلى شريك تجاري وممول رئيسي لأميركا اللاتينية، مع تبادل تجاري تجاوز 500 مليار دولار في 2024. استثمرت في التعدين والطاقة والبنية التحتية والموانئ، وأصبحت السلع والعلامات التجارية الصينية جزءاً من الحياة اليومية لمئات الملايين من المستهلكين. كما تحولت المنطقة إلى مصدر أساسي للصين في المعادن الحيوية والعناصر الأرضية النادرة.
في المقابل، ترى واشنطن أن هذا التوسع قوض نفوذها التقليدي، وتسعى إدارة ترامب إلى احتوائه عبر الضغوط السياسية والتجارية، وصولًا إلى التهديدات العسكرية والعقوبات. وقد أثارت هذه السياسات قلق المستثمرين الصينيين، مع تعليق بعض المشاريع الكبرى بسبب عدم الاستقرار الجيوسياسي، بحسب "نيويورك تايمز".
لكن محللين يشيرون إلى أن تقليص النفوذ الصيني لن يكون ممكناً بالقوة وحدها، في ظل اعتماد دول المنطقة على التمويل الصيني لتلبية احتياجاتها التنموية. فبدون بديل اقتصادي واسع النطاق، قد تجد الولايات المتحدة صعوبة في مواجهة واقع اقتصادي باتت الصين لاعباً محورياً فيه، ما يجعل الصراع في أميركا اللاتينية اختباراً حقيقياً لحدود القرار السياسي أمام ثقل الوقائع الاقتصادية.

ويقول رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث وارف قميحة لـ"النهار" إن "كثيرين يرتكبون خطأً تحليلياً حين ينظرون إلى التنافس الأميركي الصيني في أميركا اللاتينية بوصفه صراعاً سياسياً ظرفياً يمكن ترجيح كفّته عبر خطاب تصادمي أو قرارات رئاسية، أياً كان صاحبها".
ويضيف: "الواقع أن الصين موجودة في أميركا اللاتينية منذ أكثر من عقدين بوصفها فاعلاً اقتصادياً بنيوياً، لا لاعباً تكتيكيًا عابراً، وهذا ما يجعل الوقائع الاقتصادية اليوم أقوى بكثير من أي قرار سياسي أحادي".
ويشير قميحة لـ"النهار" إلى أن "من وجهة النظر الصينية الرسمية، تؤكد بكين أن علاقتها بالمنطقة تقوم على ثلاث ركائز ثابتة: المنفعة المتبادلة، عدم التدخل في الشؤون الداخلية، والتنمية المشتركة. الصين ترفض صراحةً منطق ‘مناطق النفوذ’ وتعتبره إرثًا من حقبة الحرب الباردة، وتقدّم نفسها كشريك تنموي لا كقوة هيمنة".
اقتصادياً، يقول إن الصين أصبحت الشريك التجاري الأول أو الثاني لمعظم دول أميركا اللاتينية، ومصدراً رئيسياً للاستثمار والتمويل في قطاعات حيوية مثل الطاقة، التعدين، الزراعة، البنية التحتية، والاقتصاد الرقمي. هذه ليست علاقات رمزية أو سياسية الطابع، بل روابط مادية عميقة تدخل في صلب سلاسل التوريد العالمية، وهو ما أكدته تقارير حديثة صادرة عن مراكز أبحاث حكومية صينية ومؤسسات مرتبطة بوزارة التجارة والأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية.
والأهم بالنسبة لقميحة، أن الصين لم تكتفِ بالعلاقات الثنائية مع دول المنطقة، بل أسست آليات تعاون متعددة الأطراف تعكس رؤية طويلة الأمد، أبرزها منتدى الصين – دول أميركا اللاتينية ومنطقة الكاريبي الذي يضم 33 دولة ويُعد الإطار السياسي والدبلوماسي الأهم للحوار والتنسيق الجماعي بين الجانبين. هذا المنتدى يعكس انتقال العلاقة من مستوى المبادرات إلى مستوى التخطيط الاستراتيجي طويل الأمد.
ويتابع أن الصين ترى —وفق تصريحات متكررة لوزارة خارجيتها— أن أي سياسة أميركية تصادمية، كتلك التي ميّزت خطاب ترامب، لا تستطيع تفكيك هذا الحضور المتراكم ما لم تُرفق ببدائل اقتصادية وتنموية حقيقية. بكين تراقب التحركات الأميركية عن كثب، لكنها تراهن على ما تسميه "قوة السوق وخيارات الدول السيادية"، أي أن دول أميركا اللاتينية لا تنحاز سياسياً بقدر ما تتخذ قراراتها وفق مصالحها التنموية الفعلية.
من هنا، يرى قميحة أن سياسة ترامب التصادمية، رغم ضجيجها الإعلامي، غير كافية لإضعاف الصين في أميركا اللاتينية. بل إن الضغوط السياسية والعقوبات والتهديدات التجارية غالباً ما تأتي بنتائج عكسية، لأنها تدفع دول المنطقة إلى تنويع شراكاتها الدولية بدل الارتهان لطرف واحد، وهو ما يخدم—مفارقةً—تعزيز الحضور الصيني بدل تقليصه.
من جهته، يقول الدكتور في العلوم السياسية والعلاقات الدولية نبيل خوري لـ"النهار" إن الصين هي الشريك التجاري الأهم لمعظم اقتصادات المنطقة، والمموّل الأكبر لمشاريع البنية التحتية والطاقة والتعدين، والمستورد الرئيسي للمواد الأولية التي تقوم عليها اقتصادات دول مثل البرازيل وتشيلي وبيرو. هذا الحضور الصيني لا يقوم على قواعد عسكرية أو اصطفاف أيديولوجي، بل على سلاسل توريد، تمويل طويل الأجل، واستثمارات يصعب تفكيكها سياسياً.
ويضيف خوري أن في المقابل، تعتمد واشنطن في مقاربتها على الضغط السياسي والعقوبات والردع الأمني، وهي أدوات لا تستطيع منافسة شبكة المصالح الاقتصادية التي نسجتها بكين خلال عقدين. لذلك، يمكن لسياسات ترامب أن تُربِك بعض الحكومات أو من شأنها ربما أن ترفع كلفة التعاون مع الصين، لكنها غير كافية لإضعاف نفوذ ترسّخ بفعل الاقتصاد.
في "الحديقة الخلفية" لواشنطن، لا تُحسم المعركة بالشعارات ولا بالقوة وحدها. فبينما يرفع ترامب سقف المواجهة، تراهن الصين على اقتصاد متجذّر يصعب اقتلاعه، ما يجعل النفوذ مسألة تراكم طويل لا قراراً آنياً.
نبض