مبادرة ترامب للسلام في أوكرانيا... ماذا عن عوائق نشر قوة حفظ سلام أوروبية؟
صدم الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأوروبيين بموافقته على محادثات سلام حول أوكرانيا مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من دون التشاور مع حلفائه. وتشعر غالبية دول الاتحاد الأوروبي، وفي مقدمتها ألمانيا، بالتردّد حول ما يُطرح بخصوص إرسال قوات حفظ سلام أوروبية إلى أوكرانيا لأن الخطوة غير مناسبة على الإطلاق وفي الوقت الخطأ.
ومع اندفاعة ترامب، بيّنت الردود المثارة في ألمانيا أن هناك أسئلة حاسمة تتعلق بمبادرته للسلام لا تزال مفتوحة، ويعتمد الكثير منها على الحلّ السلمي في وقت لا تستطيع أوروبا حتى الآن التكهن به. ومن جهة أخرى، فإن النتائج المحتملة لها تُناقش فوق رؤوس الأوكرانيين.
علاوة على ذلك، هناك أمور يجب أن تكون غير قابلة للتفاوض، بينها أن تكون كييف قادرة على مواصلة مسيرتها نحو الاتحاد الأوروبي والدفاع عن ديموقراطيتها وسيادتها والحفاظ على جيشها القوي، فضلاً عن تأكيدات لأهمية ما أثاره المستشار أولاف شولتس خلال قمة باريس بأنه لا ينبغي أن يكون هناك تقسيم للأمن والمسؤولية بين أوروبا والولايات المتحدة وبأن حلف الأطلسي يرتكز على العمل الجماعي.
في المقابل، يرى البعض أن رفض شولتس يتوقف الآن على عدم تقديم تنازلات مريرة والمخاطرة بحياة الجنود الألمان في أوكرانيا من دون ضمانات أمنية موثوقة، وهذا محرج له ولحزبه أمام الناخبين قبل أيام قليلة من انتخابات برلمانية عامة مبكرة حاسمة تعيشها ألمانيا.
أوروبا أمام معضلة
وقالت خبيرة الدفاع ورئيسة مجموعة أبحاث السياسة الأمنية في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية في برلين كلوديا ماجور في حديث صحافي، إن الهدف الأساسي لمهمّة السلام المطروحة يجب أن يصنع الفارق، وذلك بردع روسيا عن شنّ هجوم آخر على أوكرانيا. وفي الوقت نفسه على الحلفاء الغربيين ضمان منع أوكرانيا من تنفيذ أيّ عدوان، وهذا يشكل تحدّياً هائلاً بسبب الحدود الطويلة بين البلدين التي تزيد مسافتها عن 900 كيلومتر.
الخبير في الشؤون الروسية في المجلس الألماني للعلاقات الخارجية أندراس راكز رأى أنه إذا كان من المقرر ألا تقوم قوة حفظ السلام بمراقبة وقف إطلاق النار المحتمل فحسب، بل تأمينه أيضاً، فإنها تحتاج إلى ما لا يقل عن 200 ألف جندي مدرّب ومسلح تسليحاً جيداً. وإزاء ذلك، اعتبرت الخبيرة ماجور أن حجم القوة ممكن أن يتقلص إلى 150 ألفاً إذا ما تولت أوكرانيا بنفسها مسؤولية الأمن، وخاصة على طول خط وقف إطلاق النار، فيما تعمل قوة حفظ السلام على تأمين الردع. وخلصت ماجور إلى أن أوروبا صاحبة أكبر سوق داخلية مشتركة وعدد سكانها 450 مليون نسمة، تواجه الآن معضلة من دون الولايات المتحدة، محذرة من أن المهمة التي تكون ضعيفة للغاية قد تدعو روسيا الى اختبارها، وسيكون هذا إهمالاً ويزيد من احتمال اندلاع حرب في أوروبا.
وفي الإطار، فإن المشكلة وفق محللين عسكريين أن الأوروبيين غير قادرين على تشكيل مثل هذه القوة بأنفسهم وأن يجمعوا 150ألف جندي في فترة قصيرة تضمن بشكل فعال الأمن على طول خط المواجهة. والحد الأقصى الممكن هو ما بين 40 و50 ألف جندي. وبحسب مطلعين، فإن ألمانيا إذا ما اعتمدت المشاركة فستلتزم بوجود تشكيل صغير من الجنود يتكوّن من أربعة أرقام.
ووفق المعطيات، اعتبر الخبير العسكري في جامعة الجيش الألماني في ميونخ كارلو ماسالا أن نشر قوات حفظ سلام أوروبية يجب أن يحظى بدعم عسكري من الولايات المتحدة التي استبعدت عضوية أوكرانيا في الناتو ونشر قوات حفظ سلام خاصة بها، وبالتالي تقديم ضمانات أمنية إذا تعرضت هذه القوات لهجوم.
الباحث السياسي توماس برغمان قال لـ"النهار" إن ترامب الذي يعيد تنظيم العالم وفق تصوّره، لا يهتم بما سيحدث لكييف ما دام قادراً على تأمين مصلحته وإظهار نفسه صانع سلام من خلال الصفقات مع زعيم الكرملين، متجاهلاً ممثلي أوروبا الذين سيتحمّلون العبء الرئيسي في تأمين الحماية الدائمة لكييف من عدوانية بوتين.
وأضاف: "لقد شكل تصرّف ترامب إهانة موصوفة لأوروبا، حتى إن ادارته لم تتردّد في مطالبة الأوروبيين بالإعلان عن مساهتمهم في تأمين حلّ السلام الذي سيجري التفاوض عليه، من قوات أمنية وأسلحة وتدريب وخلافه". في المقابل، اعتبر برغمان أن الضغوط التي يمارسها ترامب على أوروبا يجب أن تشكل فرصة للالتزام بوعودهم والانخراط كقوة مؤثرة من أجل النظام الدفاعي في القارة، والاستمرار بزيادة شحنات الأسلحة إلى كييف في المرحلة المقبلة، ما قد يسهم في رفض أيّ صفقة انهزامية للغاية على طاولة المفاوضات. ولفت إلى أن تفويض الأمم المتحدة غير وارد حتى الآن وهناك قناعة بأن هذا النوع من المهمات لم يستطع منع الصراعات العسكرية في حالات الطوارئ، وهذا ينطبق أيضاً على نموذج بعثة المراقبة الفاشلة لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا التي كانت قائمة في شرق أوكرانيا منذ عام 2014.
نبض