تطفّل ماسك... لماذا التدخّل الأميركي على نطاق واسع في السياسة الداخلية الألمانية؟
شغل "تطفل" ملياردير التكنولوجيا الأميركي إيلون ماسك على السياسة الداخلية الألمانية الرأي العام الألماني، بعدما أدلى بتعليقات منفرة بحق المستشار أولاف شولتس، على خلفية أحداث أمنية وسياسية تعيشها البلاد. فبين وصفه لشولتس على منصته "إكس" بـ"الأحمق غير الكفؤ" وقوله "وحده حزب البديل يستطيع إنقاذ ألمانيا"، جاءت الموافقة سريعاً من المعسكر اليميني برد الزعيمة المشاركة لـ"البديل" أليس فايدل: "نعم! أنت على حق تماماً يا إيلون ماسك"، لذا يبدو أن السباق الانتخابي سيكون مستعراً قبل 7 أسابيع من موعد الانتخابات البرلمانية العامة المبكرة. فلماذا التدخل الأميركي على نطاق واسع في الانتخابات العامة الألمانية؟
المصالح أولاً
في وقت تتهيّب برلين دخول الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض وترجيح اعتماده تعريفات جمركية إضافية على صادرات أوروبا، رأى محللون أن ماسك ومعه ترامب يضعان ألمانيا على راداراتهما ويعتزمان التدخل على نطاق واسع في السياسة الألمانية، معتبرين أن ماسك المكلف في الإدارة المقبلة وزارة "الكفاءة الحكومية" وباستخدامه مثل هذه اللغة المهينة وبمنشوراته الاستفزازية ووصفه للمستشار بالأحمق، هو مثال لا يحتذى به في النموذج السياسي الألماني. وهو بمغازلته حزب "البديل" اليميني الشعبوي المعادي للأجانب وللسامية يغذي الشرخ في البلاد.
وفي حديث إلى "النهار"، يلفت الباحث توماس ستيلر إلى أن ماسك منهمك في فرض نفسه مؤثراً سياسياً في الانتخابات الألمانية لمصلحة حزب اليمين الشعبوي، حتى إنه يعتزم استضافة زعيمته فايدل في مقابلة عبر منصته "إكس". ورأى أن "فوز البديل سيضع البلاد في أتون مظلم"، مشيراً إلى أن نشاطات ماسك في ريادة الأعمال "تعوقها ضوابط وتوازنات الديموقراطية وسيادة القانون"، ومذكراً بأنه "خاطر أخيراً بصراع مفتوح مع مجلس العمل حول مصنع شركته تيسلا في غرونهايد الألمانية بسبب الإجازة المرضية، وما يهمّه أكثر هو مصالحه الاقتصادية الخاصة".
ألمانيا والهامش الجيوسياسي لأوروبا
وقالت الخبيرة الاقتصادية فيرونكا غريم، وهي من الخبراء الخمسة الذين يقدمون المشورة إلى الحكومة الفيدرالية لشبكة "إيه اردي" الإخبارية، إن "تشخيص ماسك للوضع الاقتصادي الألماني صحيح، وفيه أننا لسنا قادرين على المنافسة والنموّ ضعيف، لكن الوصفة التي يقترحها ماسك ليست جيدة، فالبديل ليس حزباً ليبيرالياً بشكل واضح، وقبل كل شيء يمكن للمواقف المنتقدة لأوروبا أن تضعنا بسرعة كبيرة على الهامش الجيوسياسي إذا أتيحت للحزب الفرصة لضمان خروج ألمانيا من الاتحاد الأوروبي أو الانسحاب منه، وفي بعض الأحيان تكون المقترحات المتعلقة بالحد من الهجرة غير ممكنة".
إلى ذلك، أشار متابعون إلى أنه "ليس لدى ماسك كراهية لألمانيا كما ترامب الذي يحتقرها، لكن على شولتس إن كان يريد إعادة انتخابه أن يخوض هجوماً ضد ماسك باعتباره الملياردير الذي يعد لمؤامرة يمينية متطرفة دولية تدمر الديموقراطية الألمانية".
نفوذ وابتزاز
وقالت لورا فون دانييلزو التي تترأس مجموعة من الأبحاث الأميركية في مؤسسة العلوم والسياسة في برلين في حديث إعلامي: "يبدو واضحاً أن ماسك لديه ميل واضح للتعليق على السياسة الألمانية"، معربة عن اعتقادها بأنه "لن تكون هذه التوصيات الانتخابية هي الأخيرة له بالنسبة إلى حزب يميني متطرف في أوروبا، وبأنه يحاول ممارسة النفوذ في أوروبا".
توازياً، وفي ظل الاقتناع السائد بأن ألمانيا هي العمود الفقري للديموقراطية في أوروبا، لا ينبغي إغفال أن برلين دولة جدّ مؤثرة في أوروبا ومن أقوى الدول ذات الحضور السياسي أوروبياً، وباعتبارها دولة مصدرة فمن السهل ابتزازها في ما يتعلق بالسياسة الأمنية والاقتصادية أيضاً. وهنا، لا مناص من القول إن ترامب وماسك لا يتعاطفان فقط مع "البديل" في ألمانيا، بل أعربا مراراً وتكراراً عن دعمهما الأحزاب اليمينية الشعبوية في كل أنحاء أوروبا والتي تتخذ موقفاً ضد الهجرة، وبينها إيطاليا حيث يحافظ ماسك على علاقة وثيقة برئيسة الوزراء جورجيا ميلوني.
وفيما تشي التوقعات بأن تكون المنافسة الانتخابية شرسة، ووسط الخشية من أن يشل "البديل" و"تحالف سارة فاغنكشنت" المصنف يساراً شعبوياً البوندستاغ إذا ما تمكّنا من نيل ثلث أصوات الناخبين، تبرز نقاشات في البلاد بشأن ما يتعلق بإمكان تبرع ماسك بالأموال لـ"البديل". وحيال ذلك، تفيد المعلومات بأن التبرع المالي للأحزاب في ألمانيا يخضع لتنظيم صارم، ويسمح لأشخاص مثل ماسك بالتبرع بحد أقصى يصل إلى حدود 1000 يورو، ومن المعلوم أن ماسك أسهم في حملة ترامب بما قيمته 75 مليون دولار، وتبرّع بمليون دولار يومياً للناخبين المسجلين في الولايات المتأرجحة، ومثل هذه الأرقام من التبرعات الكبيرة للحملات غير عادية على الإطلاق في ألمانيا. مع العلم بأن هناك انطباعاً لدى العديد من المحللين بأن ماسك هو الرئيس الفعلي لأنه كان القوة الدافعة وراء الصراع على السلطة، لكن في الوقت نفسه هناك توافق فكري بين الشخصيتين بخصوص مهاجمة ألمانيا، العدوّ المفضّل لترامب بين الحلفاء في أوروبا.
نبض