بالنسبة إلى أوروبا... فانس "أخطر" من ترامب؟
"ليس من الجيد لأوروبا أن تكون تابعاً أمنياً دائماً للولايات المتحدة". هذا ما قاله نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس لموقع "أنهيرد" يوم الاثنين، في أول مقابلة مع منصة أوروبية منذ توليه مهامه في كانون الثاني/يناير الماضي.
أكد فانس خلال المقابلة أن بإمكان الأوروبيين اعتبار أميركا صديقة طالما أنهم مستعدون لدور أكثر استقلالية على المسرح الدولي، وطالما أنهم سيكونون أكثر استجابة لناخبيهم في ما يتعلق بقضية المهاجرين. وأضاف فانس: "أحب أوروبا، أحب الأوروبيين. لقد قلت مراراً إنه لا يمكنك الفصل بين الثقافة الأميركية والثقافة الأوروبية".
لنائب الرئيس الأميركي سلسلة تصريحات أثارت استياء الأوروبيين في أربع محطات على الأقل: خطابه في مؤتمر ميونيخ للأمن عن "التهديد" من "الداخل" الأوروبي، وانتقاده الشديد للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في البيت الأبيض، ومداولاته في ما عُرف لاحقاً بـ "فضيحة سيغنال"، حين عارض ضرب الحوثيين لأنه اعتبرهم مشكلة أكبر لأوروبا لا لبلاده. وقال وقتذاك: "فقط أكره أن أنقذ الأوروبيين مجدداً". وكانت المرة الرابعة حين زار غرينلاند أواخر آذار/مارس وسط تهديدات مستمرة من الرئيس دونالد ترامب بالسيطرة على الجزيرة عبر القوة. وهذه بعض الأمثلة البارزة عن تصريحات أو تصرفات فانس.
مشكلتان
يمثل التعامل مع جيه دي فانس مشكلتين على الأقل بالنسبة إلى أوروبا. بالرغم من أن ترامب هو من يتخذ القرارات النهائية بشأن السياسة الخارجية، يمكن أن يكون فانس صوتاً حاسماً في إقناع ترامب بقضايا مفصلية تمس الأمن الأوروبي. في وقت تحتاج بعض مواقف ترامب المتشددة تجاه الأوروبيين إلى التليين، من المرجح أن يؤدي صوت فانس عاملاً معاكساً بالنسبة إلى السياسيين في بروكسل. المشكلة الثانية مستقبلية لكنها أكثر أهمية حتى.
إذا فاز فانس بانتخابات 2028 فقد تضطر أوروبا إلى التعامل مع شخصية أصعب مراساً. على الأقل، كوّن ترامب معرفة شخصية بالعديد من القادة الأوروبيين بما أنه خدم ولاية رئاسية سابقة. بالمقابل، سيفضل فانس المنتمي إلى جيل أكثر شباباً من القادة الأميركيين توثيق علاقات مع جيل أوروبي أكثر اختلافاً عن القادة الذين صاغوا السياسات الأوروبية على مدى عقود. من المرجح أن يشكل هذا الاختلاف الجيلي والسياسي (اليمين الأقصى) نقطة توتر بين الطرفين في المستقبل.
"كراهية متبادلة"؟
في مقابلة مع "نيوزويك" أواخر الشهر الماضي، قال وزير الخارجية الفرنسي الأسبق هوبير فيدرين عن فانس: "إن عداءه للتحالفات مقصود. هو متجذر في فكرة أن على السياسة الخارجية خدمة سردية داخلية ضيقة".
ثمة من يعتقد أن الكراهية مسار بخطين. في 13 نيسان/أبريل طرح الصحافي غافين مورتيمر السؤال التالي: "لماذا يكره الفرنسيون جيه دي فانس إلى هذا الحد؟"
استعرض مورتيمر في مجلة "سبكتيتور" عدداً من الانتقادات التي وجهها الإعلام الفرنسي إلى فانس واستنتج منها أن أسباب "الكراهية" تعود إلى كون فانس "كاثوليكياً متحمّساً" وعلى قناعة بأفكاره وإلى أن شخصاً مثله ينتمي إلى الطبقات العاملة "لا مكان له" بين "النخب" الفرنسية. لكن إذا كانت هذه الأسباب تنطبق فعلاً على قسم من الإعلام الفرنسي فالقلق من فانس أوسع من الحدود الفرنسية.
"أخطر من ترامب"
"بإمكانك الشعور بالكراهية وهي تنبع منه"، قالت رئيسة "مركز التحليلات الأوروبية" ألينا بولياكوفا في تعليق على كلام فانس في مؤتمر ميونيخ. ووصفت تعامله مع أوروبا بأنه أخطر من تعامل ترامب على اعتبار أن "فانس عاطفي في كرهه لأوروبا".

وعرض الأستاذ المشارك في كلية الدراسات الدولية المتقدمة في جامعة جونز هوبكينز ياشا مونك أسباباً تجعل فانس "أخطر" من ترامب بحسب رأيه. فالرئيس الأميركي يرى في دول مثل فرنسا وألمانيا "مصادر محتملة للكسب والفائدة". لكن تصريحات فانس تقترح أنه لا يهدف فقط إلى تحريك الأوروبيين لزيادة إنفاقهم الدفاعي ولا حتى إلى تعزيز الجناح اليميني الشعبوي في أوروبا، بل أنه يهدف إلى "إضعاف ومعاقبة أوروبا". وفي موقع "برسويجن" (الإقناع) الذي ساهم في تأسيسه، اقترح مونك على الأوروبيين إصدار "استراتيجية فانس" للتمكن من التعامل معه ومع سياساته في المستقبل.
فانس "الديغوليّ"
حملت المقابلة الإعلامية الأخيرة لفانس تغييراً واضحاً في النبرة. فهو برر مطالبته بتعزيز أوروبا استقلاليتها على قاعدة أنها قد تتمكن من تصحيح أخطاء أميركا في بعض المواقف الخاطئة بدلاً من اتباع خطواتها بشكل تلقائي. وأشار إلى أن موقف الأوروبيين في أزمة السويس كان أفضل من موقف إدارة أيزنهاور، كما كان موقفهم أفضل من إدارة بوش الابن خلال غزو العراق.
وشبّه فانس رأيه برأي الرئيس الفرنسي الأسبق شارل ديغول الذي "أحب الولايات المتحدة الأميركية، لكنه أدرك ما أدركُه بالتأكيد، أنه ليس من مصلحة أوروبا، وليس من مصلحة أميركيا، أن تكون أوروبا تابعاً أمنياً دائماً للولايات المتحدة".
قد لا تزيل مقابلة واحدة لفانس أسباب قلق الأوروبيين بشكل كامل. لكنها ربما تكون خطوة أولى على الطريق الصحيح. ما إذا كان سيستتبعها بخطوات لاحقة هو محط اهتمام الأوروبيين بالتأكيد.
نبض