من منتجع صهر ترامب إلى المطالبة برحيل راما... ماذا يجري في ألبانيا؟
بدأت الاحتجاجات في ألبانيا من أجل حماية طيور الفلامنغو من جرافات مشروع سياحي مرتبط بصهر الرئيس الأميركي دونالد ترامب، جاريد كوشنر. وبعد أشهر، بات رئيس الوزراء إيدي راما يواجه حركة احتجاجية تطالب برحيله، بعدما تحوّلت شوارع العاصمة تيرانا إلى ساحات مواجهة بين آلاف الشباب والشرطة، وامتد الغضب إلى مدن أخرى.
وأمس الأربعاء، دخل أساتذة الجامعات على خط الاحتجاجات، وأعلن اتحاد العاملين في الجامعات مقاطعة التدريس حتى إشعار آخر، في تصعيد جديد لحركة بدأت في 13 تشرين الأول/أكتوبر، على خلفية الفساد وارتفاع تكاليف التعليم وتراجع فرص العمل.
وخلال المواجهات، تعرّضت مبانٍ حكومية ومصارف للحرق والتخريب، فيما استخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه والرصاص المطاطي. وبحسب أرقام أعلنتها السلطات في 17 تشرين الأول/أكتوبر، أُوقف 167 شخصاً واتُّخذت إجراءات قضائية بحق 388 آخرين، فيما عُلّق عمل سبعة عناصر شرطة للتحقيق في تجاوزات محتملة.
وامتد التمرّد إلى شخصيات كانت قريبة من السلطة، أبرزها النائبة المستقلة ماريانا كوتشيكو (25 عاماً)، التي دخلت البرلمان عام 2025 بدعم من حزب راما الاشتراكي قبل أن تنشق عنه وتنضم إلى المحتجين.
فكيف تحوّل الاعتراض على مشروع سياحي إلى حركة تطالب بتغيير الحكومة؟ وأي علاقة تربط استثمارات صهر ترامب بالأزمة السياسية التي تواجهها ألبانيا؟
من جزيرة سازان إلى "ثورة الفلامنغو"
على جزيرة سازان، قبالة مدينة فلورا الألبانية، يدعم كوشنر وزوجته إيفانكا ترامب مشروعاً لإقامة منتجع فاخر في موقع كان قاعدة عسكرية سابقاً. لكن المواجهة الأبرز بدأت على الساحل المقابل، في منطقة زفيرنيتس ومحمية فيوسا نارتا، التي تضم أراضي رطبة تُعد موئلاً لطيور الفلامنغو.
وفي أيار/مايو 2026، أثار دخول الجرافات وإقامة الأسوار وتضرّر مناطق طبيعية غضب السكان والناشطين البيئيين، لتنشأ حركة احتجاجية حملت اسم "ثورة الفلامنغو"، ورفعت شعار "ألبانيا ليست للبيع".
وتشمل خطط التطوير الساحلي إنشاء ما يصل إلى عشرة آلاف فيلا سياحية، فيما تُقدّر قيمة المشروع الأوسع بنحو أربعة مليارات يورو (نحو 4.6 مليارات دولار)، وفق صحيفة "الغارديان". أما مشروع جزيرة سازان، فتُقدّر استثماراته بنحو 1.4 مليار يورو (نحو 1.6 مليار دولار).
وتتهم منظمات بيئية الحكومة بتعديل قوانين حماية المناطق الطبيعية لتسهيل الاستثمارات السياحية. وفي حزيران/يونيو، طالب البرلمان الأوروبي بإلغاء التشريعات التي تسمح بالبناء في أجزاء من المنطقة المحمية، محذراً من تعارضها مع المعايير البيئية المطلوبة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.
وتعقّد الجدل بعدما كشفت "رويترز" في تموز/يوليو عن تحقيقات تتعلق بشبهات تزوير وثائق ملكية لأراضٍ بيعت لمصلحة المشروع. وتركز التحقيق على رجل الأعمال أرتور شيهو، المطلوب في قضية غسل أموال، والذي ينفي الاتهامات عبر محاميه. ولم تتضمن ملفات التحقيق اتهامات بارتكاب مخالفات من جانب كوشنر أو الشركات المستثمرة.
وفي المقابل، يدافع راما عن هذه الاستثمارات باعتبارها فرصة لتوفير الوظائف وتنشيط الاقتصاد. كما يؤكد كوشنر التزام المشروع بالمعايير البيئية، متعهداً بتحسين التنوع البيولوجي في المنطقة.

الشباب يريدون تغيير النظام
يرى البروفيسور أفريم كراسنيقي، المدير التنفيذي لمعهد الدراسات السياسية في تيرانا والباحث في معهد التاريخ بأكاديمية العلوم الألبانية، في حديث إلى "النهار"، أن الشباب الألباني لا يعارضون الولايات المتحدة أو الاستثمار الأجنبي، وإنما يحتجون على نظام سياسي واقتصادي تحتكر فيه قلة نافذة الفرص، فيما يتراجع دور المواطنين في اتخاذ القرارات التي تمس مستقبلهم.
ويختصر كراسنيقي موقفه بالقول: "المشروع الساحلي كان الشرارة، لا السبب الحقيقي".
ويعزو اتساع الغضب إلى تراكم الإحباط من الفساد وتردّي الخدمات العامة وغياب تكافؤ الفرص. فالشباب، بحسب رأيه، يشعرون بأن العلاقات السياسية تفتح لأصحابها أبواباً تغلقها السلطة أمام أصحاب الكفاءة والشهادات.
ويمتد فقدان الثقة إلى المعارضة التقليدية التي يعدّها كثيرون جزءاً من المنظومة السياسية نفسها. ويؤكد كراسنيقي أن هذا الجيل "يريد أكثر من مجرد تغيير القادة، بل تغييراً جذرياً في طريقة حكم البلاد".
وتفسّر هذه النظرة جانباً من صعوبة احتواء الاحتجاجات. فالحركة الشبابية تفتقر إلى قيادة مركزية موحّدة، وتنسّق تحركاتها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فيما يرفض المحتجون عروض الحوار التي طرحها راما، ويتمسكون بمطلب استقالته.
ويقارن كراسنيقي الاحتجاجات الحالية بتحركات الطلاب عام 1990 التي مهّدت لإنهاء الحكم الشيوعي وقيام التعددية السياسية، واحتجاجات عام 2018 التي نظمها الطلاب بعيداً من الأحزاب. لكنه يرى أن الجيل الحالي يواجه تحدياً مختلفاً، يتمثل في تركّز السلطة والنفوذ الاقتصادي داخل نظام يقوم رسمياً على التعددية الديموقراطية.
ويقول: "لسنوات، واجه الشباب غياب الفرص بمغادرة البلاد، أما اليوم، فيطالبون بحقهم في بناء مستقبلهم فيها".
.

الاتحاد الأوروبي في قلب المواجهة
يتمسك راما بالتفويض الانتخابي الذي حصل عليه بعد فوز حزبه بولاية رابعة عام 2025، ويرفض الاستقالة تحت ضغط الشارع. ويحذّر من أن أعمال العنف تهدّد مسار انضمام ألبانيا إلى الاتحاد الأوروبي، الذي تطمح حكومته إلى دخوله بحلول عام 2030.
لكن المفارقة أن المشروع السياحي الذي ساهم في إطلاق الاحتجاجات بات موضع اعتراض أوروبي أيضاً. ففي 19 تشرين الأول/أكتوبر، نقلت "الغارديان" عن النائبة الهولندية في البرلمان الأوروبي تينيكه ستريك اتهامها الحكومة الألبانية بمحاولة تسريع المشروع قبل خضوع البلاد الكامل للقواعد البيئية الأوروبية.
وفي موازاة ذلك، أدانت المفوضية الأوروبية أعمال العنف والاعتداءات على المؤسسات، مطالبة بأن تكون الاستجابة الأمنية متناسبة مع الأحداث، مع احترام حق التظاهر وفتح حوار مع المحتجين.
ويلفت كراسنيقي إلى أن تقدّم ألبانيا في مفاوضات الانضمام يترافق مع شعور متزايد لدى مواطنيها بابتعاد الممارسات السياسية عن المعايير الديموقراطية الأوروبية، منتقداً تغليب بعض الشركاء الغربيين الاستقرار السياسي على مساءلة السلطة.
ولا يرى أن البلاد تواجه انهياراً وشيكاً لمؤسساتها، لكنه يعتبر الأزمة السياسية جدية، وتستدعي استجابة حكومية تتعامل مع أسباب الغضب.
ومع استمرار التظاهرات واتساع المشاركة الطلابية والأكاديمية، يواجه راما معضلة يصعب حلّها بالتمسك بنتائج الانتخابات وحدها. فالمحتجون يطالبون بتغيير قواعد توزيع السلطة والفرص، فيما تراهن الحكومة على الاستثمارات الاقتصادية والانضمام الأوروبي لاستعادة ثقة الشارع.
وهكذا، أعاد مشروع كوشنر فتح نقاش ألباني قديم بشأن ملكية الأرض والفساد والسلطة. أما السؤال الذي بات يواجه راما، فهو مقدار ما يستطيع تقديمه من تنازلات سياسية من دون أن يفقد السيطرة على الحكومة التي يقودها منذ عام 2013.
نبض