بين سقوط جدار برلين ورفع علم الوحدة الألمانية: 329 يوماً غيّرت وجه أوروبا
تعرف على تاريخ يوم الوحدة الألمانية 3 تشرين الأول/أكتوبر 1990، وكيف توحدت ألمانيا بعد انقسام دام 45 عاماً وسقوط جدار برلين.
في مثل هذا اليوم من كل عام، الثالث من تشرين الأول/أكتوبر، ترفرف الأعلام الألمانية فوق المباني الحكومية في الولايات الست عشرة، وتخرج الاحتفالات الشعبية إلى الساحات، إحياءً لـ"يوم الوحدة الألمانية"، العيد الوطني الوحيد الذي يُقام بموجب قانون اتحادي، بينما تستند باقي الأعياد إلى قوانين الولايات.
ففي هذه الليلة قبل 36 عاماً، وتحديداً عند منتصف ليل 3 تشرين الأول/أكتوبر 1990، رُفع علم الوحدة أمام مبنى الرايخستاغ في برلين، معلناً انتهاء 45 عاماً من الانقسام بين ألمانيتين: ديموقراطية غربية واشتراكية شرقية.

من الانقسام إلى الوحدة: قراءة في التاريخ
قسّمت نهاية الحرب العالمية الثانية في عام 1945 ألمانيا إلى مناطق نفوذ بين قوى الحلفاء الأربعة، قبل أن يتبلور الانقسام رسمياً في عام 1949 بقيام دولتين: جمهورية ألمانيا الاتحادية في الغرب، وألمانيا الديموقراطية في الشرق.
وفي عام 1961 شيّدت السلطات الشرقية جدار برلين الذي غدا رمزاً للحرب الباردة والستار الحديدي الذي شقّ القارة الأوروبية.
لكن بداية النهاية كُتبت خارج الحدود الألمانية. في آب/أغسطس 1980، اندلعت إضرابات حوض بناء السفن في غدانسك البولندية، وفي آذار/مارس 1985، وصل ميخائيل غورباتشوف إلى قيادة الحزب الشيوعي السوفياتي حاملاً شعاري "غلاسنوست" و"بيريسترويكا"، فانفتحت نافذة التغيير على المعسكر الشرقي بأكمله.
في صيف وخريف عام 1989، تصاعدت موجتا الهجرة الجماعية والاحتجاجات الشعبية في ألمانيا الشرقية، حتى سقطت قيادة الحزب الحاكم، وفي 6 تشرين الثاني/نوفمبر 1989، فُتحت المعابر وسقط الجدار. بعدها بأقل من عام، وتحديداً في آذار 1990، أجريت أول انتخابات حرة في ألمانيا الشرقية، وتلتها الوحدة النقدية والاقتصادية والاجتماعية في الأول من تموز/يوليو باعتماد المارك الألماني الغربي عملةً موحدة.
وفي جلسة تاريخية عاصفة امتدت حتى الثانية والنصف فجر 23 آب 1990، صوّت برلمان ألمانيا الشرقية المنتخب (فولكسكامر) بأغلبية 294 صوتاً مقابل 62 على الانضمام إلى نطاق الدستور الألماني الغربي اعتباراً من 3 تشرين الأول.
خارجياً، وقّع في موسكو يوم 12 أيلول/سبتمبر 1990 وزراء خارجية الدولتين الألمانيتين والقوى الأربع المنتصرة في الحرب العالمية (الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي وبريطانيا وفرنسا) معاهدة "اثنين زائد أربعة" التي أنهت حقوق المنتصرين ومهّدت للوحدة الكاملة.

لماذا 3 تشرين الأول وليس 9 تشرين الثاني؟
قد يبدو يوم سقوط الجدار، 9 تشرين الثاني، الخيار الأدلّ رمزياً لعيد وطني، لكن التاريخ الألماني حسم الأمر: ففي مثل هذا التاريخ من عام 1938، ارتُكبت "ليلة البلور"، المذابح والحرائق المنظمة ضد اليهود، ما جعل الموعد غير صالح للاحتفال. وكان 3 تشرين الأول أقرب موعد ممكن لإتمام الوحدة، وسط مخاوف من انهيار اقتصادي وسياسي وشيك في ألمانيا الشرقية.
عند منتصف الليل تماماً، أطلق الرئيس الألماني ريشارد فون فايتسكر الاحتفالات من شرفة بلدية شونبرغ في برلين قائلاً: "بإرادة حرة، نريد أن نُتمّ وحدة ألمانيا!"، بينما رُفع علم الوحدة أمام الرايخستاغ على وقع قرع جرس الحرية. وخاطب المستشار هيلموت كول، مهندس الوحدة، حكومات العالم برسالة طمأنة واعية لهواجس التاريخ: "من التراب الألماني، لن يصدر إلا السلام". واحتشد نحو مليون شخص في برلين وحدها، في ما وُصف بإحدى أكبر الاحتفالات في تاريخ البلاد.
شهادات من عاشوا اللحظة
تروي نيكولا لايتنر، وكانت في الثانية عشرة من عمرها في عام 1990: "أذكر كيف احتشدنا جميعاً حول المذياع لنستمع إلى خطب كول وغيره. لم تكن لديّ حينها أفكار كبيرة عمّا يعنيه كل ذلك لألمانيا؛ ما أذكره فقط هو شعور عام بالحماسة، وإحساس بأننا جميعاً يمكننا أن نفخر بألمانيا الجديدة".
أما لويزه أمتسبيرغ، عضوة البرلمان الألماني اليوم عن حزب الخضر، فكانت في السادسة من عمرها: "أتذكر الأجواء بوضوح شديد. شعرت بطريقة ما أنني بين عالمين: بين معلمين قدماء وكتب مدرسية قديمة والحقبة الجديدة التي كان عليهم أن يدرّسوها، وبين أهالٍ أوفياء ينوحون على النظام القديم وآخرين يحتفلون بحرياتهم الديموقراطية المكتسبة حديثاً. كان والدي قد سُجن لسنوات في سجن جهاز الستازي في باوتسن، وأعتقد أنني كنت أريد قبل كل شيء أن يكون والداي سعيدين".
ومن الشرق، تستعيد إحدى الألمانيات ذكرياتها قائلةً إنها حين سقط الجدار "بكت دموع الفرح"، وسافرت مع أسرتها فوراً إلى ماغديبورغ ودرسدن ولايبزيغ: "كان ذلك كل حلمنا بمشاهدته، فوجدته مدهشاً أن أستكشف كل هذا لأول مرة، وكل شيء كان جديداً ومشوّقاً ومختلفاً تماماً عن الغرب".
لكن للذاكرة وجه آخر: في مدينة تسفيكاو الصناعية، عايش النقابي براندل الجانب المؤلم من التحوّل، حين أُغلقت مصانع سيارة "ترابانت" الشهيرة: "كان علينا أن نرافق أولى موجات التسريح الجماعي… أصيب كثير من الناس في تسفيكاو وما حولها بالبطالة. لم يكن أحد في ألمانيا الشرقية قد عرف البطالة من قبل، وكان ذلك كارثة".
وحدة اكتملت… وفوارق باقية
لم تكن الوحدة محل إجماع حتى في لحظتها؛ إذ علّق زعيم الحزب الاشتراكي الموحّد آنذاك غريغور غيزي على قرار البرلمان الشرقي بالقول إن النواب "قرروا للتو، لا أكثر ولا أقل، زوال جمهورية ألمانيا الديموقراطية"، في إشارة إلى مخاوف واسعة في الشرق من "الضمّ" وفقدان الهوية، ومخاوف مقابلة في الغرب من كلفة التضامن المالي.
اليوم، بعد 36 عاماً، يعترف الألمان بأن كثيراً من الجروح اندمل، لكن ليس كلها؛ فالفوارق في الأجور والمعاشات بين الشرق والغرب قائمة، ومصطلحا "أوسي" (الشرقي) و"فيسي" (الغربي) لم يغيبا تماماً عن الخطاب اليومي.
مع ذلك، يبقى "الثالث من تشرين الأول" شاهداً على لحظة نادرة في التاريخ الحديث: وحدة وطنية تحققت من دون رصاصة واحدة، بثورة سلمية قادها مواطنون عاديون. وكما قال الرئيس فون فايتسكر في تلك الليلة: "للمرة الأولى، لا نشكّل نحن الألمان نقطة خلاف على جدول أعمال أوروبا".
نبض