النينيو يهدد أفريقيا... موجة جوع تبدأ من المحيط الهادئ
لا تأتي مخاطر أفريقيا الأمنية والإنسانية من الحروب والنزاعات وحدها. فظاهرة مناخية تنشأ على بعد آلاف الكيلومترات، في المحيط الهادئ، قد تدفع خلال الأشهر المقبلة أماً إلى حمل أطفالها المرضى عبر مياه الفيضانات، وتحرم مزارعاً من حصاده، وتترك أسراً عاجزة عن تأمين وجبة يومية.
هذه المشاهد ليست سيناريوات بعيدة. فظاهرة النينيو بدأت بالفعل وتواصل اشتدادها، فيما يحذر خبراء المناخ والمنظمات الإنسانية من أثرها المحتمل على الغذاء والمياه وسبل العيش في عدد من دول القارة.
ماذا تقول أحدث التوقعات؟
وفق أحدث تحديث لمركز التنبؤات المناخية التابع للإدارة الوطنية الأميركية للمحيطات والغلاف الجوي، الصادر في 13 آب/أغسطس 2026، تتجاوز احتمالات بلوغ النينيو مستوى "قوي جداً" خلال خريف وشتاء 2026-2027 في نصف الكرة الشمالي 90 في المئة. ويضع المركز احتمال وصولها إلى مستوى تاريخي خلال الفترة من تشرين الأول/أكتوبر إلى كانون الأول/ديسمبر عند 69 في المئة، مع توقع استمرارها حتى ربيع 2027.
والنينيو هو الطور الدافئ من ظاهرة "النينيو-التذبذب الجنوبي"، ويتميز بارتفاع حرارة سطح البحر فوق معدلاتها في وسط المحيط الهادئ الاستوائي وشرقه، ما يغيّر دوران الغلاف الجوي وأنماط الأمطار والحرارة في مناطق بعيدة. وهو نمط طبيعي، لكنه يحدث اليوم فوق قاعدة مناخية أشد حرارة بفعل الاحترار العالمي، الأمر الذي قد يفاقم بعض آثاره.
ولا تعني قوة النينيو أن نتيجة محددة ستقع حتماً في كل بلد. فتأثيرها يتوقف على توقيتها ومدتها وتفاعلها مع عوامل أخرى، بينها "القطبية الثنائية للمحيط الهندي"، المتوقع أن تدخل طوراً موجباً وتزيد اضطراب الأمطار حول حوض المحيط الهندي.

فيضانات في الشرق وجفاف في الجنوب
في القرن الأفريقي الكبير، تكشف التوقعات عن خطرين متعاكسين. فقد شهدت أجزاء من وسط إثيوبيا وشمالها، والحزام الرعوي في السودان، ومعظم إريتريا وجيبوتي، ومنطقة كاراموجا في أوغندا، وغرب كينيا وشمال غربها، بداية ضعيفة لموسم أمطار حزيران/يونيو–أيلول/سبتمبر، ما يهدد الإنتاج الزراعي والمراعي.
لكن أحدث توقعات مركز "إيغاد" للتنبؤات والتطبيقات المناخية، الصادرة في 18 آب، ترجح أمطاراً تفوق المعدلات بين تشرين الأول وكانون الأول في الأجزاء الاستوائية والجنوبية من المنطقة. وتصل احتمالات هطول أمطار فوق المعدلات إلى 90 في المئة في جنوب إثيوبيا ووسط الصومال وجنوبه وشمال شرق كينيا.
قد تحسن هذه الأمطار المراعي ومصادر المياه، إلا أن غزارتها ترفع مخاطر الفيضانات المفاجئة والانهيارات الأرضية، وتلف المحاصيل، وتضرر الطرق والمنازل والمدارس والمستشفيات، وانتشار الأمراض المنقولة بالمياه والحشرات.
وفي الجنوب الأفريقي، جاءت الصورة معاكسة في أحدث توقع إقليمي أصدرته الجماعة الإنمائية للجنوب الأفريقي "سادك" في 27 آب. فالأمطار دون المعدلات مرجحة خلال موسم 2026-2027 في معظم أنغولا، وجنوب زامبيا، وزيمبابوي، وموزمبيق، وناميبيا، وبوتسوانا، ومعظم جنوب أفريقيا، وإسواتيني وليسوتو. في المقابل، ترجح أمطار أعلى من المعدلات في معظم تنزانيا وأجزاء من شمال المنطقة وشرقها، ما يمنع تعميم خطر الجفاف على الجنوب كله.
ورغم اختلاف الطقس، قد تكون النتيجة واحدة لدى الفئات الأكثر هشاشة: تراجع المحاصيل ونفوق الماشية وتعطل الأسواق وارتفاع أسعار الغذاء وفقدان الدخل.

من صدمة المحاصيل إلى فاتورة تريليونية
تأتي الصدمة المرتقبة في وقت ضمت أفريقيا عام 2025 نحو 309 ملايين شخص يعانون الجوع، وفق تقرير "حالة الأمن الغذائي والتغذية في العالم 2026"، فيما تعتمد ملايين الأسر على الزراعة المطرية. وتواجه حكومات القارة في الوقت نفسه أعباء الديون وارتفاع كلفة الغذاء والطاقة وتراجع التمويل الإنساني.
ويتوقع برنامج الأغذية العالمي أن تدفع النينيو خلال 2026-2027 ما لا يقل عن 49 مليون شخص إضافي إلى انعدام الأمن الغذائي الحاد بحلول نهاية 2027. لكن هذا الرقم عالمي ويشمل 45 دولة، وليس تقديراً لأفريقيا وحدها، إذ قد يرتفع العدد الإجمالي في تلك الدول من نحو 225 مليوناً إلى 274 مليوناً، بزيادة تقارب 22 في المئة.
وفي شرق أفريقيا والجنوب الأفريقي، قد يتدهور الأمن الغذائي لأكثر من 18 مليون شخص، بزيادة تقدر بنحو 26 في المئة، فيما قد ينضم قرابة 6 ملايين شخص إضافي إلى دائرة انعدام الأمن الغذائي الحاد في غرب أفريقيا ووسطها.
ويبدأ المسار بخسارة محصول أو ماشية، ثم ينتقل إلى الأسواق عبر ارتفاع أسعار الحبوب وتراجع دخل الأسر وزيادة الحاجة إلى الاستيراد والمساعدات. وعندما تتزامن الصدمة المناخية مع الحرب أو النزوح أو انهيار العملة، تتسارع القفزة من الهشاشة إلى الجوع الحاد.
وقد تمتد الخسائر إلى الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد والتضخم. وأظهرت دراسة أعدها الباحثان كريستوفر كالاهان وجاستن مانكين من "كلية دارتموث" الأميركية أن نينيو 1997-1998 تسبب في خسائر تراكمية في الدخل العالمي بلغت نحو 5.7 تريليونات دولار خلال الأعوام الـ5 التالية. وهذا الرقم يختلف عن التقدير القديم للأضرار المباشرة، البالغ نحو 36 مليار دولار، لأنه يحتسب تباطؤ النمو والاستثمارات التي لم تتحقق بعد الصدمة.
وبالنظر إلى قوة الظاهرة الحالية واتساع الاقتصاد العالمي، قدّر مانكين، بصورة مشروطة ببقاء التوقعات الحالية قريبة من الواقع، أن تبلغ الخسائر التراكمية نحو 10 تريليونات دولار بحلول 2032. كما بدأت مؤسسات مالية، بينها "مورغان ستانلي" و"جي بي مورغان"، تقويم انعكاس النينيو على أسعار السلع والتضخم والاستثمار.
الاستعداد أرخص من الإغاثة
تمنح التوقعات المناخية الحكومات والمؤسسات وقتاً ثميناً للتحرك. وتظهر خبرات برنامج الأغذية العالمي أن كل دولار يُستثمر في البرامج الاستباقية قد يوفر بين 3 و7 دولارات من الخسائر وكلفة الاستجابة اللاحقة.
توزيع الغذاء بعد انهيار المحاصيل يأتي متأخراً. الأولوية الآن لتمويل المزارعين قبل الصدمة، وتوفير بذور أكثر تحملاً للجفاف، وتحسين تخزين المياه، وتحصين الطرق والأسواق، وتجهيز مراكز الإيواء، وبناء نظم إنذار تصل إلى القرى ولا تتوقف عند العواصم.
أما على المدى الأبعد، فتحتاج أفريقيا إلى استثمارات ثابتة في الري والزراعة والطاقة والبنية التحتية، وإلى تمويل مناخي لا يتحول إلى مسكن موقت. فالنينيو ظاهرة دورية، لكن الجوع الذي تخلّفه ليس قدراً محتوماً إذا سبقت الاستجابة الكارثة.
نبض