حميميم وطرطوس بعد الاتفاق... موسكو تبقى بشروط دمشق
تفتح الاتصالات المباشرة الأخيرة بين موسكو ودمشق باب التساؤلات الملحة حيال الشكل النهائي للوجود الروسي في الساحل السوري. فقاعدتا حميميم وطرطوس ليستا مجرد نقطتين عسكريتين على الخريطة، إذ ترتبطان بترتيبات أمنية ومصالح استراتيجية تسعى روسيا إلى حمايتها في بيئة سياسية وميدانية جديدة.
وبينما تدفع الأكلاف اللوجستية والمخاطر الأمنيّة نحو تقليص هذا الوجود وإعادة تنظيمه، تتمسك موسكو بموطئ قدمها في المياه الدافئة، من خلال اتفاق جديد يعيد تكييف القاعدتين وتحويل منشآتهما العسكرية إلى مراكز مشتركة للتدريب والتأهيل.
ويبقى السؤال عن قدرة الاتفاق على منح الوجود الروسي شرعية جديدة، أو تحوله إلى مرحلة انتقالية تسبق مزيداً من الانكفاء.
بقاء روسي بصيغة جديدة
في أروقة صناعة القرار في موسكو، يتفق الخبراء على أن التخلي السريع عن القاعدتين العسكريتين في شرق المتوسط لا يندرج ضمن خيارات الكرملين، وهو معطى تدركه السلطة الجديدة في سوريا.
ويرى هاني شادي، المختص في الشأن الروسي والمقيم في موسكو أن "الاتفاق الأخير لإعادة تنظيم الوجود العسكري الروسي والذي جاء نتاج مفاوضات شاقة استمرت نحو 18 شهراً لا يهدف إلى تصفية الوجود العسكري بقدر ما يسعى إلى إعادة صياغة الأطر القانونية والمعاهدات المنظمة له".
ويوضح شادي في حديثه لـ "النهار"، أن هذه التفاهمات تتجه نحو تعديل أعداد القوات ومدد الاتفاقيات، مع ترجيح تحويل قاعدة حميميم الجوية إلى مركز متخصص لتدريب الجيش السوري، خصوصاً أن موسكو سحبت سابقاً جزءاً من قواتها تحت ضغط العمليات العسكرية في أوكرانيا.
الانسحاب "هزيمة استراتيجية"
يؤكد شادي أن الكرملين ينظر إلى أي انسحاب كامل كـ "هزيمة استراتيجية" تجرّده من إحدى أهم ركائز نفوذه في الشرق الأوسط. فقاعدة طرطوس البحرية تُشكل مركز الصيانة وإعادة التزود الوحيدة للأسطول الروسي في البحر المتوسط، بينما تمثل حميميم شرياناً لوجستياً أساسياً للأنشطة العسكرية الروسية وتحركات القوات شبه العسكرية التابعة للكرملين في أفريقيا.
ويرهن شادي الشكل النهائي للعلاقات بمتغيرات دولية أكبر، مشيراً إلى أن "الدور الأميركي مرشح لممارسة ضغوط على الصياغات النهائية للاتفاقيات الأمنية بين موسكو ودمشق، إلى جانب تأثير حرب أوكرانيا على روسيا".
ويرى أن الاتصال الأخير بين الرئيسين فلاديمير بوتين وأحمد الشرع لا يعكس ترتيباً لانسحاب نهائي وهو خيار لم تطرحه موسكو، وإنما يضع الإطار السياسي أمام الخبراء العسكريين لصياغة وجود روسي أضيق حجماً مع احتفاظه بفاعليته الاستراتيجية.
/WhatsApp%20Image%202026-08-27%20at%206.49.23%20AM.jpeg)
سيادة دمشق أولاً
في دمشق، تبدو الرؤية السورية القائمة على "البراغماتية الانتقالية" مختلفة تماماً، إذ ترتكز على الفصل بين القبول بحضور روسي منظم، ورفض أي صيغة تمنح القوات الأجنبية امتيازات تتعارض مع سيادة الدولة.
ويوضح الكاتب والباحث في الشؤون السياسية والأمنية عزيز موسى أن "مذكرة التفاهم الموقعة بين الجانبين في 9 آب/أغسطس، والتي حددت مهلة زمنية مدتها ثلاثة أشهر لإعادة تنظيم الوجود العسكري، شكّلت الآلية التنفيذية الأولى لاستعادة السيادة الوطنية".
ويرى موسى أن الخط الفاصل بالنسبة إلى الإدارة السورية الجديدة يكمن في إنهاء الامتيازات المفرطة، وقد تجسد ذلك في تسلّم دمشق إدارة المنشآت المدنية في مطار حميميم والرصيف التجاري الرابع في ميناء طرطوس، وإنهاء الامتيازات الاقتصادية السابقة وفتح باب الاستثمار أمام شركات جديدة، مثل "موانئ دبي".
أربعة مكاسب لدمشق
يحدد موسى أربعة مكاسب رئيسية تسعى دمشق إلى تحقيقها.
أولها تفكيك تركة الوصاية الاقتصادية من خلال إدارة المنشآت الحيوية مباشرة واستثمارها وفق منطق التجارة الدولية.
ويتمثل المكسب الثاني في إيجاد توازن أمني إقليمي، عبر الاحتفاظ بالقناة الروسية كضمانة أو ورقة ضغط في مواجهة التوغلات الإسرائيلية جنوباً، وضمان مشاركة موسكو في أي ترتيبات أمنية مستقبلية.
أما الثالث، فيرتبط بتسهيل الانفتاح على الغرب، إذ يزيل تحجيم الوظيفة العسكرية الروسية أحد أبرز التحفظات الأميركية والأوروبية، ويمنح دمشق مرونة أكبر في مناوراتها الديبلوماسية.
ويكمن المكسب الرابع في مراعاة الواقعية التشغيلية، إذ تجعل صيانة المنظومات السورية ذات المنشأ الروسي والتدريب عليها، إلى جانب ملفات حيوية مثل القمح والطاقة، القطيعة الفورية مكلفة للغاية.
ويخلص موسى في حديثه لـ "النهار" إلى أن دمشق تستخدم علاقاتها مع موسكو (بما في ذلك حق النقض الروسي في مجلس الأمن) لتثبيت الاستقرار خلال المرحلة الانتقالية. وقد يتقلص الدور الروسي مستقبلاً إلى حضور لوجستي محدود لتأمين الإمدادات ونقاط العبور نحو أفريقيا، ما لم تدفع المصلحة الوطنية السورية نحو شراكة أمنية أوسع خاضعة لسيادتها الكاملة.
نبض