أميركا التي نحب… أميركا التي نكره

دوليات 03-07-2026 | 06:08

أميركا التي نحب… أميركا التي نكره

هذا البلد يكاد أن يكون نسخة طبق الأصل عن البشرية، منه يأتي كل مذهل، بوجهيه الجميل والبشع.

أميركا التي نحب… أميركا التي نكره
حشد موالٍ لترامب أمام الكابيتول. (أ ف ب)
Smaller Bigger

تختصر صورة الأميركيين في المرآة بتعبير عتيق عتق ولادة الاتحاد رسمياً قبل ربع ألفية تامة: "الحلم الأميركي". وهو مصطلح لا شك مذهل، إذ يربط كياناً سياسياً بفكرة شديدة الفردية والخصوصية. معه، يصير العيش في هذه الإمبراطورية أقرب إلى واحدة من قصص ديزني الخرافية التي لا شك ستنتهي بأن يعيش بطلها سعيداً إلى الأبد.

هذا ما قرره الآباء المؤسّسون حين أسّسوها، فكتبوا دستوراً فيه الكثير من الرومانسية والشاعرية وتمجيد الفكرة نفسها، فكرة أميركا وحلمها بالديموقراطية والمساواة والعدالة وحرية الرأي والمعتقد و"تحقيق السعادة"، وفي الوقت نفسه، حرية حمل السلاح وغض النظر عن حقوق المرأة وتحرير العبيد.

على هذا الفصام بين الواقع وديزني قامت أميركا واستمرت، ساندريلا بفستان مرصع وسكربينة ماسية وتاج ليلاً، ثم ينفك السحر عنها عند منتصف الليل، فتعود إلى حقيقتها: مهاجرة مكسيكية تكافح في دوامي عمل يومياً لتعيل أطفالها، أو خريج حديث يتراكم عليه دين هائل لقاء تحصيله العلمي عليه البدء بسداده قبل دخوله معترك العمل، أو ربا عائلة بالكاد يحصّلان كفاف شهرهما بوظيفتيهما الشهرية مع تراكم ديونهما على بطاقات الاعتماد، وقس على ذلك.

على الفصام نفسه، يمضي المجتمع. أرض الأحلام التي تختلط فيها الأعراق والأديان والجنسيات، يتجذر فيها الحذر الدائم من الآخر، كل وأي آخر، ما لم يكن مثلك تماماً. أميركا التي تفخر بقدرة مهاجريها على الاندماج هي ذاتها التي يواجه فيها أميركي ذو لكنة ولون بشرة مختلفين اقتراحاً بذيئاً بالعودة إلى بلده. أميركا السيارتين والبيت بالكاراج والكلب، تتوجس العائلة التي تسكن فيه كل صباح حين ترسل أطفالها إلى المدرسة، من معتوه مدجج بالسلاح حتى أرنبة أنفه، قد يختار مدرستهم ليفتح النار عليها، لأسباب تراوح بين معتقداته العنصرية الصافية، وبين خلافه مع والده، أو تعرضه للتنمر في طفولته.

 

خاص النهار.
خاص النهار.

 

هذا البلد يكاد أن يكون نسخة طبق الأصل عن البشرية، منه يأتي كل مذهل، بوجهيه الجميل والبشع. معظم التطور في كل الميادين، الصحية والعلمية والتكنولوجية تبدأ عندها. منذ عقود وهي تسيطر على ثقافة الكوكب، من السينما إلى الجينز إلى الحذاء الرياضي إلى مكدونالدز إلى السوشال ميديا، وكل ما بينها. ومع أن هذه القوة الناعمة لأميركا نقاش آخر حول حسنها وسوئها، لكنها تبقى نقاشاً في الأثر الثقافي بعينه، ويظل نقيضاً لأميركا الرسمية التي ستظل إلى الأبد موسومة، مثلاً بافتتاح عصر رمي القنابل الذرية على البشر، وأسفل هذه الخطيئة تتدرج سلسلة لا تنتهي من الحروب التي خاضتها بلا طائل، وفرض سياساتها بالقوة على شعوب فقط من أجل مصلحة أميركا أولاً، وأخيراً.

وبما أن الشيء بالشيء يذكر، تحتفل "أميركا أولاً" هذا العام بآخر نسخة منها، أميركا دونالد ترامب. أميركا كانت تسجل موقفاً حين أعادته رئيساً بعد ولايته الأولى وكل ما حدث فيها وصولاً إلى اقتحام أنصاره مبنى الكابيتول وخروجه عن كل عرف وتقليد يتعلق بتسليم السلطة وفق "الطريقة الأميركية". رجوعه إلى البيت الأبيض لم يكن انتصاراً "لشخص" بقدر ما هو تثبيت لصعود تيار يتخطى محافظة الحزب الجمهوري إلى ما يمكن تسميته اليمين المتشدد. ولأنها أميركا بالتحديد، فالتحول فيها يبدأ انعكاسه من الداخل لتتسع الدوائر وتطاول الكوكب برمته. وهذه المرة، كأن عداداً وهمياً عملاقاً قد صفّر، لنعاود السؤال: ما هي أميركا التي تحتفل بعيد ميلادها للمرة المئتين والخمسين؟ التي نحبها أو التي نكرهها؟ وهل من فارق حقاً بين هاتين الأميركتين؟        

 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 7/2/2026 12:19:00 AM
أول تعليق من روزينا لاذقاني بعد تعيينها في مجلس الشعب: لن تكون الثقة حدثاً عابراً
لبنان 7/2/2026 7:21:00 PM
وزارة المالية توضح حقيقة زيادة رواتب موظفي القطاع العام في لبنان
فن ومشاهير 6/28/2026 12:12:00 PM
بالتوازي مع معايدة الملكة رانيا، هنأ الديوان الملكي الهاشمي الأمير الحسين بعيد ميلاده الثاني والثلاثين.