نصف قرن على العلاقات الأميركية - الصينية: من سياسة العزلة إلى قطب منافس
شكّل عام 1972 نقطة تحوّل جذرية في العلاقات الدولية والنظام العالمي الذي نشأ عقب الحرب العالمية الثانية، مع أول زيارة لرئيس أميركي إلى جمهورية الصين الشعبية منذ قيامها عام 1949، وذلك في عهد الرئيس ريتشارد نيكسون ومستشاره للأمن القومي هنري كيسنجر. وأدت هذه الزيارة إلى انفتاح دولي على الصين، كما فتحت الباب أمام تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة ونقل التكنولوجيا وتعزيز حركة التجارة، فيما ساهم دخول البضائع الصينية منخفضة الكلفة إلى السوق الأميركية لاحقاً في خفض معدلات التضخم وإعادة تشكيل جزء من الاقتصاد العالمي.
بعد أكثر من نصف قرن، تأتي زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الصين، بوصفها المنافس الدولي الأول على المسرح الجيوسياسي، في لحظة تشهد تصاعداً في الصراع على شكل النظام العالمي المقبل، وسط تحالفات سياسية واقتصادية من شأنها كسر الأحادية القطبية التي قادت العالم منذ نهاية الحرب الباردة.
وقبل الدخول في سياق هذه الزيارة، لا بدّ من التوقف عند استراتيجية الأمن القومي للإدارة الأميركية الحالية الصادرة في كانون الأول/ديسمبر 2025، والتي شددت على "إعادة توازن العلاقة الاقتصادية الأميركية مع الصين"، مع إعطاء الأولوية لما وصفته واشنطن بـ"استعادة الاستقلال الاقتصادي الأميركي". وفي الجزء المتعلق بالشرق الأوسط، اعتبرت الاستراتيجية أن الولايات المتحدة لم تعد مضطرة لإعطاء المنطقة الأولوية نفسها التي فرضتها اعتبارات الطاقة لعقود طويلة، في ظل تنوع مصادر الإمداد العالمية. كذلك صنّفت الوثيقة حرية الملاحة والوصول الآمن إلى الممرات المائية والمضائق البحرية على أنها "مصلحة قومية عليا" ترتبط مباشرة بالاستقرار الاقتصادي وسلاسل الإمداد العالمية، مع الإشارة إلى ضرورة تقاسم أعباء حماية هذه الممرات مع الحلفاء والشركاء.
القوة الاستراتيجية
الأستاذ في القانون الدولي البروفسور غابريال صوما، الذي شغل مركز عضوية في المجلس الاستشاري للرئيس ترامب سابقاً، يعطي الزيارة الحالية أبعاداً داخلية وخارجية على حدّ سواء.
ويقول في حديثه مع "النهار" إن "ظهور الرئيس الأميركي في مناطق حساسة سياسياً أو أمنياً يرسل رسالة ردع للخصوم بأن واشنطن تتابع التطورات ومستعدة للدفاع عن مصالحها".
ويضيف ربطاً باستراتيجية الأمن القومي، إنه خلال رئاسة ترامب، "غالباً ما ارتبطت الزيارات الخارجية بصفقات اقتصادية وعسكرية كبيرة، خصوصاً في مجالات الطاقة والسلاح، وهو ما تعتبره واشنطن جزءاً من أمنها القومي بسبب ارتباط الاقتصاد بالقوة الاستراتيجية".
وفي الشق الداخلي يوضح صوما، أن "الزيارات الرئاسية قد تُستخدم أيضاً لإظهار القيادة والحزم أمام الناخب الأميركي، خاصة في أوقات الأزمات الدولية، وهو ما ينعكس على صورة الرئيس كقائد أعلى للقوات المسلحة".
وعلى الضفة المقابلة من العالم، ينوّه مدير مركز "أساهي" للدراسات السياسية والاستراتيجية في اليابان الدكتور طلعت سلامة إلى أن القمة الصينية - الأميركية تأتي في ظل تصاعد حاد في نقاط الخلاف بين القطبين، وفي مقدمتها ملف تايوان، والتنافس التجاري والتكنولوجي، والتوترات في بحر الصين الجنوبي، و"هي ملفات تمس جوهر الأمن القومي لكلا الطرفين، ما يجعلها خلافات بنيوية يصعب تسويتها بشكل جذري في إطار لقاء واحد أو تفاهمات قصيرة المدى".
ويستطرد في حديثه لـ"النهار"، بأن المشهد لا يخلو من وجود "مساحات محدودة للتقاطع في المصالح"، خاصة في ما يتعلق باستقرار الاقتصاد العالمي، وأمن سلاسل الإمداد، وقضايا المناخ، إضافة إلى الحاجة المشتركة لتفادي الانزلاق نحو مواجهة عسكرية مباشرة قد تكون مكلفة للطرفين وللنظام الدولي ككل.
و"من هذا المنطلق، لا تبدو القمة قادرة على رأب الصدع بين واشنطن وبكين بالمعنى الشامل، بقدر ما تملك فرصة واقعية للانتقال من مرحلة التصعيد المفتوح إلى مرحلة إدارة منظمة للتنافس".

أزمة هرمز
يبدو أن واقع الحرب مع إيران فرض على الحسابات الاستراتيجية للأمن القومي الأميركي تعديلات ميدانية، بعدما انخرطت واشنطن في مواجهة مباشرة في الشرق الأوسط، فيما بات أمن أحد أهم المضائق المائية في العالم رهينة تسويات سياسية ومفاوضات متعثرة.
صوما يرفض التعليق عمّا هو المطلوب أميركياً من الصين بشأن الحرب مع إيران أو لحلّ أزمة مضيق هرمز.
إنما برأي سلامة، "تبدو بكين أمام معادلة شديدة الحساسية تقوم على الموازنة بين الحفاظ على استقرار تدفقات الطاقة من جهة، وتجنب التصعيد مع المنظومة الغربية بقيادة الولايات المتحدة من جهة أخرى". ويلفت إلى أنه "لا يُتوقع أن يتخذ الدور الصيني شكل تدخل سياسي مباشر في الأزمة"، إنما كونها الشريك التجاري الأكبر لإيران يمنحها "هامش حركة داخل الملف دون تحمّل التزامات أمنية مباشرة".
ويعتبر أن العقوبات الغربية المفروضة على إيران تجعل المهمة الصينية أكثر تعقيداً، فيما يندرج التحرك الصيني في الملف الإيراني ضمن إطار "إدارة المخاطر وتخفيف التوترات أكثر من كونه محاولة لإعادة صياغة شاملة للأزمة"، مع التركيز على حماية استقرار أسواق الطاقة وضمان انسياب التجارة العالمية في أحد أكثر الممرات الاستراتيجية أهمية في العالم.
إدارة التنافس لا حلّه
لائحة الخلافات الأميركية - الصينية طويلة، ومن دون الدخول في كلّ تفاصيلها، فهي لا تنفصل عن "الحرب الباردة" الدائرة بين الطرفين لإنشاء نظام عالمي جديد يقوم على التعددية القطبية، وكسر حلقة الهيمنة الأميركية.
وفي هذا السياق، يصعب فصل الحروب الإقليمية في الشرق الأوسط وأفريقيا وشرق ، وحتى "الصراع الناعم" في أميركا اللاتينية، عن المواجهة الجيوسياسية الأوسع المرتبطة بإعادة تشكيل النظام العالمي وتغيير موازين القوى الدولية.
ويقول صوما إن "أي زيارة رئاسية أميركية تُستخدم لإظهار التزام الولايات المتحدة بحلفائها، سواء في الشرق الأوسط أو أوروبا أو آسيا. وهذا يطمئن الشركاء الأمنيين ويعزز التعاون العسكري والاستخباراتي". كما يشير إلى أن بعض زيارات ترامب ساهمت في دفع اتفاقيات وتحالفات جديدة، بينها التقارب بين بعض الدول العربية وإسرائيل، "وهو ما تعتبره واشنطن جزءاً من استراتيجية الاستقرار الإقليمي".
أما مدير مركز "أساهي" فيرى أن توازنات القوّة القائمة "لا تسمح لأي من واشنطن أو بكين بفرض نظام عالمي جديد بشكل منفرد، كما أن تضارب المصالح البنيوية بين الجانبين يجعل من الصعب الوصول إلى تسوية شاملة".
ويضيف أن "غياب الإجماع الدولي الواسع يظل عنصراً حاسماً، إذ إن النظام العالمي لا يُصاغ بين طرفين فقط"، بل يحتاج إلى حدّ أدنى من التوافق أو القبول من القوى الدولية والإقليمية المؤثرة.
وعليه، فإن ما يمكن أن تفعله القمة فعلياً "لا يتجاوز إطار إدارة التنافس وليس حلّه"، وذلك من خلال وضع قواعد اشتباك واضحة تمنع التصعيد العسكري غير المحسوب، وتحدّ من مخاطر الانزلاق إلى مواجهات مباشرة قد تهدد الاستقرار الدولي.
نبض