حرية الصحافة بين نارَين: رصاص الميدان وعنف الشاشات
في اليوم العالمي لحرية الصحافة، تتكشّف صورة مقلقة لواقعٍ تتراجع فيه حرية التعبير على جبهتَين متوازيتَين: الأولى في الميدان حيث يُقتل الصحافيون، والثانية في الفضاء الرقمي حيث تُستهدف النساء، خصوصاً الصحافيات، بأشكال متطوّرة من العنف والإسكات.
لا يزال الخطر الميداني يحصد الأرواح. في جنوب لبنان، سقط صحافيون خلال تغطيتهم المواجهات منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023، في انتهاكات أعادت طرح مسألة استهداف الإعلاميين في مناطق النزاع. وكانت آمال خليل آخرهم حين استهدفت مع الصحافية زينب فرج في بلدة الطيري الجنوبية.
وبحسب لجنة حماية الصحافيين، قُتل 129 صحافياً حول العالم عام 2025، بينهم 86 في غزة، فيما كان السودان وأوكرانيا من بين أكثر الساحات دموية أيضاً.
اقرأ أيضاً: مقتل 67 صحافياً خلال عام 2025... "الجيش الإسرائيلي هو أسوأ عدوّ للصحافيين"
عنف الشاشة
تقريرٌ مشترك أعدّته هيئة الأمم المتحدة للمرأة ومنظمة TheNerve وشركاؤهما، يكشف عن تصاعدٍ خطير في الاعتداءات الرقمية. إذ أفادت 12 في المائة من المدافعات عن حقوق الإنسان والصحافيات والعاملات في الإعلام بتعرّضهن لنشر صور شخصية من دون موافقتهن، شملت محتوى حميمًا أو ذا طابع جنسي. كما قالت 6 في المائة منهن إنهن وقعن ضحايا لتقنيات “التزييف العميق”، فيما تلقّت واحدة من كل ثلاث نساء تحرشات جنسية غير مرغوب فيها عبر الرسائل الرقمية.
هذا العنف، بحسب التقرير، ليس عشوائياً، بل غالباً ما يكون متعمداً ومنسقاً، هدفه إسكات النساء المنخرطات في الحياة العامة، وتقويض مصداقيتهن المهنية وسمعتهن الشخصية في آن واحد. وقد بدأت هذه الاستراتيجية تُترجم واقعاً ملموساً: 41 في المائة من النساء المستطلعة آراؤهن أكدن أنهن يمارسن الرقابة الذاتية على وسائل التواصل الاجتماعي، فيما أفادت 19 في المائة بأنهن يقيّدن عملهن المهني نتيجة هذا العنف.
الرقابة الذاتية
بالنسبة إلى الصحافيات، تبدو المؤشرات أكثر خطورة. ففي عام 2025، أفادت 45 في المئة منهن بممارستهن الرقابة الذاتية على المنصات الرقمية—بارتفاع نسبته 50 في المئة مقارنة بعام 2020—بينما أقرت نحو 22 في المئة بأنهن يمارسن الرقابة على عملهن الصحافي نفسه.
في المقابل، يبرز اتجاه متصاعد نحو المواجهة القانونية. فقد تضاعفت احتمالية لجوء الصحافيات إلى الشرطة للإبلاغ عن العنف الرقمي (22 في المئة) مقارنة بعام 2020، فيما ارتفعت نسبة اللواتي يباشرنَ إجراءات قانونية إلى 14 في المئة، ما يعكس وعياً متنامياً وإصراراً أكبر على محاسبة المعتدين.

كلفة نفسية باهظة
لا يتوقف أثر هذا العنف عند حدود العمل، بل يمتد إلى الصحة النفسية. إذ كشف التقرير أن نحو ربع الصحافيات والعاملات في الإعلام (24.7 في المئة) شُخّصن بالقلق أو الاكتئاب المرتبطين بالعنف الرقمي، فيما أفادت نحو 13 في المئة بإصابتهن باضطراب ما بعد الصدمة.
وفي هذا السياق، حذّرت كاليوبي مينجيرو، من "هيئة الأمم المتحدة للمرأة"، من أن الذكاء الاصطناعي "يجعل الإساءة أكثر سهولة وفتكاً"، في ظل تراجع ديمقراطي وتصاعد خطاب كراهية النساء، داعيةً إلى استجابة عاجلة من الأنظمة القانونية والمنصات الرقمية.
غير أن الحماية القانونية لا تزال قاصرة: أقل من 40 في المئة من دول العالم تمتلك قوانين فعالة لمواجهة التحرش والملاحقة الإلكترونية، ما يترك نحو 1.8 مليار امرأة وفتاة خارج أي مظلة حماية.
تكريم تحت النار
في سياقٍ موازٍ، منحت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة جائزتها العالمية لحرية الصحافة لنقابة الصحافيين السودانيين، تقديراً لشجاعتهم في تغطية الحرب المستمرة منذ عام 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.
وقد وثّقت النقابة مقتل 32 صحافياً و556 انتهاكاً بحق العاملين في الإعلام، إضافة إلى إغلاق مؤسسات صحافية. وقال نقيب الصحافيين السودانيين عبد المنعم أبو إدريس علي إن الجائزة "تكريم لكل الصحافيين الذين يواصلون الدفاع عن الحقيقة في ظروف بالغة الخطورة".
من جهته، شدّد المدير العام لـ"اليونسكو" خالد العناني على "الشجاعة الاستثنائية" التي يبديها الصحافيون، مؤكداً أن التزامهم يشكّل "خدمة أساسية للحقيقة والمساءلة والسلام".
بين العنف الرقمي والرصاص الميداني، تتّضح ملامح معركة واحدة: استهداف الصحافة ومحاولة إسكاتها. من الشاشات التي تُستخدم للتشهير والترهيب، إلى الجبهات التي تتحوّل فيها الكاميرا إلى هدف، يبقى الصحافي في قلب المواجهة، يدفع ثمن الحقيقة، ويقاوم بصوته في زمنٍ يضيق فيه هامش الحرية.
نبض