بين القوة والقداسة: جدل نتنياهو واستدعاء جانكيز خان في خطاب الصراع

دوليات 22-03-2026 | 18:44

بين القوة والقداسة: جدل نتنياهو واستدعاء جانكيز خان في خطاب الصراع

هل تحدد القيم مصير الدول، أم أن القوة هي العامل الحاسم في بقائها؟
بين القوة والقداسة: جدل نتنياهو واستدعاء جانكيز خان في خطاب الصراع
بنيامين نتنياهو (أرشيفية).
Smaller Bigger

روي أبو زيد - أنطوني نعيم 

أثارت التصريحات الأخيرة لرئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو" جدلاً واسعاً بعد استشهاده بمقولة منسوبة إلى المؤرخ الأميركي "ويل ديورانت" تتضمن مقارنة بين يسوع المسيح وجنكيز خان. جاءت هذه التصريحات في سياق حديثه عن طبيعة الصراعات الكبرى، مؤكداً أن مسار التاريخ كثيراً ما تحكمه موازين القوة لا المبادئ الأخلاقية وحدها.

هذا الطرح، رغم أنه قُدِّم بوصفه اقتباساً فكرياً لتفسير ديناميكيات التاريخ، فُهِمَ لدى كثيرين على أنه مقارنة صادمة بين رمز ديني يمثل المحبّة والسلام، وقائد عسكريّ ارتبط اسمه بالفتوحات الدموية.

 

من الناحية الخطابية، يمكن قراءة كلام نتنياهو ضمن تقليد سياسي قديم يوظف الرموز الدينية والتاريخية لإضفاء طابع وجودي على الصراعات المعاصرة. فعندما يستحضر قائد سياسي شخصيات ذات وزن روحي أو تاريخي، فإنه لا يخاطب العقل السياسي فقط، بل يخاطب الوجدان الجماعي، ويعيد تأطير النزاع باعتباره معركة بين نماذج حضارية متناقضة. في هذا السياق، تبدو المقارنة أقرب إلى إبراز المفارقة بين القوة العسكرية المباشرة والقوة الأخلاقية الرمزية، لا إلى تقويم ديني للشخصيات نفسها.

 

لكن حساسية الرموز الدينية تجعل مثل هذه الاستعارات محفوفة بالمخاطر. فـيسوع المسيح في الوعي المسيحي ليس مجرّد شخصية تاريخية، بل هو مركز العقيدة، وأيّ مقارنة قد تُفهم باعتبارها تقليلاً من مكانته. لذلك جاءت ردود الفعل الغاضبة، ما دفع نتنياهو لاحقاً إلى التوضيح بأنه لم يقصد الإساءة، وإنما أراد التأكيد على أن الدول، في لحظات الخطر الوجودي، تحتاج إلى القوة لحماية نفسها.

 

تاريخياً، لطالما شهدت المنطقة توظيفاً متبادلاً للخطاب الديني في السياسة، سواء في الخطاب اليهودي أو المسيحي أو الإسلامي. ويظهر هذا التداخل بوضوح في أوقات الحروب، حيث تُستخدم اللغة الأخلاقية والرمزية لتعبئة الرأي العام وتبرير القرارات الصعبة. لكن التحدّي يكمن في الحفاظ على التوازن بين استحضار التاريخ بوصفه مرجعاً تحليلياً، وبين تجنب المساس بالمقدّسات الدينية.  

 

في سياقٍ متّصل، أشار الأب باسم الراعي، أستاذ الفلسفة السياسية في الجامعة اللبنانية وجامعة القديس يوسف، إلى أن جنكيز خان، مؤسس إمبراطورية المغول، بدأ مشروعه بتوحيد القبائل، جزئيًا عبر الدين، مما ساعده على النجاح. ورغم العنف الذي اشتهر به، فإن حروبه كانت مبنية على رؤية محددة وأهداف واضحة، ما يوضح أن التاريخ لا تحركه القوة وحدها، بل الأفكار والرؤى حتى عندما يُستخدم العنف كوسيلة موقتة لتحقيق أهداف. وأضاف أن المقارنة بين المسيح وجنكيز خان غير دقيقة، فدعوة المسيح إلى المحبة والغفران، كما في قوله "من ضربك على خدك الأيمن فأدر له الآخر"، لا تعني الضعف، بل هي وسيلة لكسر دائرة العنف وجذب الإنسان نحو الخير بدل الشر. هذه الرؤية تؤكد أن الحياة والتاريخ يقومان على الحوار والتفاهم والسعي لتحقيق الخير، لا على الصراع المستمر.

 

وأكد الأب الراعي أن الحروب، رغم قسوتها، غالبًا ما تُخاض لتحقيق تغيير محدد وليس للدمار بحدّ ذاته، وأن العنف يظل أداة ظرفية لا قاعدة ثابتة. في المقابل، يرى أن ذهنية بنيامين نتنياهو التي تقارن المسيح بجنكيز خان تنبع من رؤية محصورة بمنطق الحرب فقط، من دون إدراك أهمية الأفكار والروح. واختتم بالإشارة إلى نابليون بونابرت، الذي أدرك في منفاه أن التاريخ تحرّكه قوتان: القوة والروح، إلا أن الروح تتفوق في النهاية على القوة، مشددًا على أن ما يجب أن يدعو إليه المسيحيون اليوم هو السلام والإعمار، وليس الدمار والعنف المستمر.

 

في المحصلة، إن تصريحات نتنياهو ذات الطابع الديني لا تبدو دعوة روحية خالصة بقدر ما تُفهم كوسيلة خطابية لتعزيز معنويات مؤيديه وتصوير الصراع باعتباره وجودياً وإيديولوجياً. أما المقارنة بين المسيح وجنكيز خان فكانت، وفق ما نُقل، اقتباساً فكرياً من مؤرخ لعرض مفارقة تاريخية تتعلق بدور القوة في بقاء الأمم، لا بقصد الإساءة إلى المسيحية. وفي العمق، تطرح هذه التصريحات سؤالاً قديماً في التاريخ السياسي: هل تحدد القيم مصير الدول، أم أن القوة هي العامل الحاسم في بقائها؟

 

 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

الخليج العربي 3/19/2026 11:58:00 AM
اجتماعان تناولا التطورات الإقليمية في ضوء التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة
المشرق-العربي 3/19/2026 3:11:00 PM
وضع استهداف إسرائيل لحقل بارس الإيراني العراق أمام خطر انقطاع واسع للتيار قد يصل إلى ما يشبه "الظلام الشامل" خلال الساعات المقبلة.
ايران 3/21/2026 8:30:00 AM
أشارت الصحيفة إلى أن أحد الصاروخين تعطل في أثناء الانطلاق...
اسرائيليات 3/21/2026 7:03:00 PM
صاروخ إيراني يضرب ديمونا: إصابات وأضرار ومخاوف من انهيار مبنى