الانتخابات النصفية قريبة: شعبية ترامب تترنح بسبب حرب إيران
في الأسبوعين الأولين من حرب إيران، لم يقتصر الصراع على الميدان العسكري، بل انتقل ليشكل العصب الرئيسي للنقاش السياسي الأميركي. وجد الرئيس دونالد ترامب نفسه أمام تحدٍ مزدوج: إدارة حرب إقليمية واسعة النطاق، والحفاظ على ائتلافه الشعبي الذي بني تاريخياً على "معارضة الحروب الأبدية".
دخل ترامب الحرب وهو يتمتع بقاعدة تأييد صلبة، لكن محدودة السقف. في شباط/فبراير 2026، وقبل اندلاع الحرب بأيام، كانت نسبة تأييد أدائه الوظيفي مستقرة عند 43%، بينما كانت نسبة عدم التأييد عند 55%، بحسب استطلاع إمرسون كولدج. ومع انطلاق الضربات الجوية، شهدت هذه الأرقام تحولات يومية تعكس حالة القلق الشعبي من التورط في نزاع طويل الأمد.
تتبع اتجاهات التأييد الشعبي
تشير البيانات المجمعة من كبرى المؤسسات الاستطلاعية حتى منتصف آذار/مارس 2026 إلى أن "تأثير الالتفاف حول العلم" (Rally 'round the flag) كان محدوداً وقصيراً، إذ سرعان ما طغت المخاوف الاقتصادية على النشوة العسكرية. تظهر الأرقام أن شعبية ترامب في بداية الحرب كانت أقل من مستويات الرؤساء السابقين في ظروف مشابهة. على سبيل المثال، حظي الرئيس باراك أوباما بنسبة تأييد وصلت إلى 67% في أيامه الأولى، بينما بدأ بايدن بـ 57%، وفقاً لـ "غالوب".
إن الانخفاض إلى متوسط 40.9% يعكس انقساماً حزبياً حاداً، حيث بلغت نسبة تأييد الجمهوريين للقرار العسكري نحو 55% فقط، وهي نسبة منخفضة مقارنة بدعمهم الساحق للحروب السابقة.
وشهدت الحرب تحولات ملحوظة بين الكتل الناخبة التي يعتمد عليها ترامب. فالناخبون المستقلون عارضوا الضربات بنسبة 2 إلى 1، معبرين عن قلقهم البالغ من انعكاسات الحرب على تكاليف المعيشة.كما سجلت الاستطلاعات تراجعاً حاداً بين الناخبين من ذوي الأصول اللاتينية: ارتفعت نسبة عدم التأييد بينهم إلى 58%، بحسب استطلاع "إميرسون كولدج".
ويُعزى هذا التراجع إلى تراكم الاستياء من التدخلات العسكرية الخارجية، بدءاً من فنزويلا في كانون الثاني/يناير وصولاً إلى إيران في آخر شباط/فبراير، ما خلق شعوراً بأن الإدارة تفتقر إلى استراتيجية استقرار واضحة.
استهداف دول الخليج: الأثر على الرأي العام الأميركي
لم تكتفِ إيران بتلقي الضربات، بل شنت هجوماً مضاداً واسعاً استهدف المصالح الأميركية وحلفاءها في الخليج العربي. كان لهذا الرد أثر مباشر على شعبية ترامب، حيث وضع "ضمانات الأمن الأميركية" تحت مجهر الاختبار العلني.
في الأسبوعين الأولين، أطلقت إيران ما لا يقل عن 380 صاروخاً و1,480 طائرة مسيرة استهدفت السعودية والإمارات وقطر والكويت والبحرين. والهجمات لم تقتصر على القواعد العسكرية مثل "العديد" في قطر أو "الظفرة" في الإمارات، بل طالت مراكز اقتصادية ومدنية حيوية.
أدى استهداف دول الخليج إلى حالة من "التنافر المعرفي" لدى الرأي العام الأميركي. فمن جهة، هناك تعاطف مع الحلفاء الذين يتعرضون للقصف، ومن جهة أخرى، برز تساؤل حاد: لماذا لم تنسق الولايات المتحدة مع هذه الدول قبل بدء الهجوم؟. تسبب الكشف عن أن دول الخليج لم تُعطَ إخطاراً مسبقاً بالهجمات في 28 فبراير في إضعاف صورة ترامب كقائد استراتيجي يراعي مصالح حلفائه.
علاوة على ذلك، عجز الدفاعات الجوية الأميركية عن اعتراض أسراب مسيرات "شاهد" الإيرانية التي ضربت المنشآت النفطية عزز القناعة لدى الناخب الأميركي بأن الإدارة أدخلت البلاد في حرب لا تملك التقنية الملائمة لحسمها من دون خسائر اقتصادية هائلة. هذا الشعور بالانكشاف الاستراتيجي أثر سلباً على معدلات الثقة في ترامب كمدير للأزمات الدولية، بحسب استطلاع أجرته "تايمز أوف إسرائيل".

العامل الإسرائيلي
تشير التقارير إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نجح في إقناع ترامب خلال لقاءات كانون الأول/ديسمبر 2025 وفبراير 2026 بأن ضرب إيران الآن "فرصة تاريخية" لن تتكرر، مستغلاً ضعف النظام الداخلي بعد احتجاجات إيران. وصف محللون هذا الضغط الإسرائيلي بأنه "جرّ أميركا إلى حرب ليست حربها"، وهو خطاب بدأ يتردد بقوة داخل القاعدة اليمينية لترامب.
أخطر تداعيات "العامل الإسرائيلي" الشرخ الذي أحدثته الحرب في القاعدة الصلبة لترامب: شن تاكر كارلسون ومارجوري تايلور غرين وكانديس أوينز هجوماً عنيفاً على الحرب، ووصفوها بأنها "تضحية بالجنود والمال الأميركي من أجل المصالح الإسرائيلية". وحاجج كارلسون علانية بأن الحرب لم تُشن من أجل أمن أميركا أو ثرائها، بل لأن "إسرائيل أرادت ذلك".
إن تراجع حماسة القاعدة الشبابية لليمين الأميركي تجاه إسرائيل بنسبة 10% منذ عام 2024 يمثل نذير خطر لترامب قبل الانتخابات النصفية.
النفط عدو ترامب الانتخابي
لا عامل يؤثر في شعبية رئيس أميركي قبل الانتخابات أكثر من سعر "غالون البنزين". ومع إغلاق إيران مضيق هرمز فعلياً، دخل الاقتصاد العالمي في صدمة طاقة غير مسبوقة.
ارتفعت أسعار خام برنت 50% منذ بداية الحرب، متجاوزة حاجز 100 دولار للبرميل أول مرة منذ سنوات، ووصلت في بعض التداولات إلى 120 دولاراً. أدى هذا الارتفاع إلى زيادة متوسط سعر البنزين في الولايات المتحدة بمقدار 48 سنتاً للغالون في الأسبوع الأول فقط.
يمكن التعبير عن العلاقة بين أسعار الطاقة والتضخم من خلال التأثير المتسلسل على تكاليف الغذاء والشحن. فمع توقف حركة الملاحة في المضيق، تعطلت سلاسل التوريد للحبوب والأسمدة، ما جعل الناخب الأميركي يشعر بأثر الحرب في "فاتورة البقالة" اليومية.
هذا الضغط الاقتصادي جعل خطاب ترامب حول "الازدهار الاقتصادي" يبدو منفصلاً عن الواقع الجديد، ما دفع بمستشاريه لمطالبته بوضع "خطة خروج" عاجلة.
استراتيجيات الاحتواء السياسي
مع اقتراب موعد الانتخابات النصفية في تشرين الثاني/نوفمبر 2026، والتي تشمل التنافس على 435 مقعداً في مجلس النواب و35 مقعداً في مجلس الشيوخ، يواجه ترامب خطر خسارة السيطرة على الكونغرس.
لردع هذا الاحتمال، اعتمدت الإدارة استراتيجية متعددة المسارات:
- سلاح الاحتياطي الاستراتيجي والتدخل في الأسواق
أمر ترامب بإطلاق 172 مليون برميل من الاحتياطي البترولي الاستراتيجي (SPR)، كجزء من جهد منسق مع وكالة الطاقة الدولية لإطلاق 400 مليون برميل في السوق. الهدف كسر موجة ارتفاع الأسعار وإظهار أن الإدارة تملك الأدوات اللازمة لحماية المستهلك الأميركي. كما هدد ترامب بفرض تعريفات جمركية بنسبة 25% على الدول التي تستمر في التجارة مع إيران، كأداة للضغط الاقتصادي العالمي.
- "نموذج فنزويلا" كخطة خروج عسكري
لتجنب "الحرب الأبدية"، يسعى ترامب لتطبيق "نموذج فنزويلا" في إيران: ضربات قطع الرأس تتبعها ضغوط هائلة لإجبار ما تبقى من النظام بالقبول بـ "جمهورية إسلامية 2.0" منزوعة الأسلحة النووية والصاروخية.
تحويل الانتباه نحو الداخل
في محاولة لصرف الأنظار عن الخسائر في الشرق الأوسط، صعد ترامب من خطابه حول "أمن الانتخابات"، مطالباً بتمرير "قانون حماية أميركا" (Save America Act) الذي يفرض شروطاً صارمة على هوية الناخبين. هذه المناورة تهدف لإعادة شحن القاعدة الانتخابية حول قضايا الهوية والسيادة الداخلية، وهي قضايا تحظى بإجماع أكبر داخل الحزب الجمهوري مقارنة بالحرب.
لكن، هل تنقذ "خطة الخروج" شعبية الرئيس؟ تشير المعطيات إلى أن نجاح ترامب في الحفاظ على شعبيته قبل الانتخابات النصفية يعتمد على قدرته على تحقيق توازن شبه مستحيل بين ثلاثة أطراف: المطالب الإسرائيلية بمواصلة الضربات حتى الانهيار الكامل للنظام، الرد الإيراني المستمر الذي يهدد استقرار الخليج وأسعار الطاقة، والضغط الداخلي من قاعدة "أميركا أولاً" التي بدأت تفقد صبرها.
سيناريوات ما قبل نوفمبر 2026
- سيناريو الحسم السريع (النجاح): إذا نجحت ضربات ترامب في إجبار مجتبى خامنئي على قبول صفقة ديبلوماسية "تحت النار" قبل الصيف، مع عودة أسعار النفط لما دون 70 دولاراً، فإن ترامب قد يدخل الانتخابات كبطل قومي حقق ما عجز عنه أسلافه.
- سيناريو الاستنزاف (الفشل): إذا استمرت إيران في شن هجمات مسيرة على ناقلات النفط في الخليج، وظلت الأسعار فوق 100 دولار، فإن الحزب الجمهوري يواجه خطر "حمام دم" انتخابي في نوفمبر، حيث سيتحمل ترامب المسؤولية المباشرة عن التضخم.
نبض