يربط الإسرائيليون خياراتهم في توسيع الحرب بسيناريوات "اليوم التالي" في إيران، بين انهيار النظام وبقائه. وقد طورت مراكز الأبحاث الإسرائيلية أربعة من هذه السيناريوات.
إن الانتقال من استراتيجية "حرب الظل" والضربات الموضعية مع إيران إلى المواجهة المباشرة والشاملة يعكس قناعة استراتيجية في القدس وواشنطن بأن سياسة الاحتواء لم تعد كافية لمواجهة الطموحات النووية والتقليدية الإيرانية. ويشير المحللون العسكريون الإسرائيليون إلى أن هذه المواجهة ليست جولة قتالية أخرى، بل محاولة هندسية لإعادة تشكيل الواقع الإقليمي بتفكيك أركان القوة الإيرانية بشكل بنيوي.
لكن... ماذا بعد؟ تستند التوقعات الإسرائيلية الحالية إلى مفهوم "الدفاع الهجومي" الذي يهدف إلى استباق التهديدات قبل نضوجها، وهذا تجسد في الهجوم المتزامن على مئات الأهداف في العمق الإيراني. أدركت القيادة العسكرية الإسرائيلية أن نموذج "حلقة النار" الذي أنشأته إيران حول إسرائيل عبر وكلائها تآكلت فاعليته بعد أحداث 7 أكتوبر 2023، وما تبعها من عمليات في غزة ولبنان، وهذا فتح نافذة استراتيجية لضرب "رأس الأفعى" في طهران مباشرة.
إيرانيتان تمران بجانب منصة خلبية لإطلاق الصواريخ في ساحة بطهران. (فرانس برس)
توضح التحليلات الصادرة عن مراكز الأبحاث مثل مركز بيغن - السادات (BESA) ومعهد دراسات الأمن القومي (INSS) أن الدروس المستفادة من "حرب الـ 12 يوماً" في حزيران/يونيو 2025 كانت حاسمة في تصميم العملية الحالية. فبينما كانت مواجهة 2025 تركز على الردع، تركز مواجهة 2026 على "التفكيك الجذري" للقدرات. الإنجاز الأبرز في الأيام الأولى كان قدرة القوات الجوية المشتركة على العمل فوق طهران "بذخائر مباشرة" (stand-in munitions)، بعد تحييد التهديد الذي شكلته الدفاعات الجوية الإيرانية.
رداً على ذلك، تتوقع إسرائيل أن تسعى إيران إلى "عولمة" الصراع وتحويله إلى حرب استنزاف إقليمية لتخفيف الضغط عن عمقها.تجسد هذا التوجه الإيراني في هجمات على البنية التحتية لدول الخليج والملاحة الدولية. لذا يربط الإسرائيليون خياراتهم في توسيع الحرب بسيناريوات "اليوم التالي" في إيران، بين انهيار النظام وبقائه. وقد طورت مراكز الأبحاث الإسرائيلية أربعة من هذه السيناريوات:
يفترض هذا السيناريو أن يؤدي مقتل القيادة العليا وشلل الاتصالات إلى انهيار الروح المعنوية للحرس الثوري، ما يدفع الجيش النظامي (Artesh) إلى استلام السلطة وتشكيل حكومة انتقالية بالتعاون مع المعارضة. في هذا السيناريو، لا ضرورة للتوسع في الحرب أكثر، إنما يكفي تكثيف الغارات والتصويب على أهداف حيوية، يساعد شلّها في تسهيل هذا الانتقال.
يفترض هذا السيناريو بقاء هيكل النظام الحالي، مع تغيير الوجوه بوجوه أكثر "برغماتية" توافق على تقديم تنازلات "مؤلمة إيرانياً" في الملفين النووي والصاروخي مقابل البقاء في السلطة وضمان عدم ملاحقة قيادات الحرس الثوري. يُعتبر هذا السيناريو مفضلاً لبعض الدوائر في واشنطن لأنه يضمن الانتهاء سريعاً من الحرب، لكنه لا يؤاتي إسرائيل لأنه يضع نتنياهو في موقف سياسي وقانوني حرج، لذا من مصلحته الاستمرار في الحرب وتوسيعها في مناطق أخرى بالشرق الأوسط، لفرض رؤيته الخاصة.
يفترض هذا السيناريو أن يتخندق ما تبقى من النظام الإيراني في منشآت محصنة تحت الأرض، وأن يستمر في شن هجمات غير متماثلة عبر وكلائه، مع تسريع الجهود للحصول على "قنبلة القبو" (Bomb in the Basement) كضمان أخير للبقاء، وهذا يحول المنطقة إلى حالة صراع مزمن، وبالتالي تتوسع رقعة الاشتباك تلقائياً.
يفترض هذا السيناريو انهيار السلطة المركزية تماماً وبروز صراعات عرقية (أكراد، بلوش، آذريين، عرب الأحواز). إن حصل، يخشى المحللون الإسرائيليون فقدان السيطرة على مخزونات اليورانيوم المخصب ووصولها إلى جماعات إرهابية أو بيعها في السوق السوداء، وهذا الهاجس يمدفع القيادة العسكرية الإسرائيلية إلى تقصد توسيع رقعة الحرب، لنيل أكبر تأييد إقليمي ممكن.
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ ب)
تجمع التوقعات الإسرائيلية على أن "نافذة الفرص" الحالية لن تبقى مفتوحة إلى الأبد، والفشل في تحقيق أهداف حاسمة في غضون 8 أسابيع قد يؤدي إلى تآكل الدعم الدولي والداخلي وتزايد الضغوط الاقتصادية.لذا، تتلخص الرؤية الإسرائيلية في ضرورة استغلال "السيادة الجوية" المطلقة حالياً للتدمير الكامل للبنية التحتية لتصنيع الصواريخ والمسيرات، لضمان عدم قدرة إيران على إعادة بناء ترسانتها لسنوات طويلة، وتفكيك المنشآت النووية المحصنة في فوردو ونطنز، إضافة إلى فرض واقع جديد في لبنان والعراق، ينهي اي وجود عسكري إيراني قريب من حدود إسرائيل.
لا يقيس المحللون الإسرائيليون نجاح عملية "زئير الأسد" بعدد الصواريخ المدمرة أو القادة القتلى، بل بالقدرة على ترسيخ شرق أوسط جديد، تكون فيه إيران دولة بلا طموح توسعي أو نووي. والرهان الإسرائيلي هو أن الدمج بين القوة العسكرية الغاشمة، والضغط الاقتصادي الخانق، والتحالف الوثيق مع واشنطن، سيكسر أخيراً "الدائرة الجهنمية" للمواجهة مع الجمهورية الإسلامية.
يطل رئيس الجمهورية اللبنانية ببدلة عسكرية قائلاً: "أعطيت الأوامر للجيش بتطبيق خطة نزع سلاح حزب الله شمال الليطاني فوراً، ولو بالقوة، حتى لو أدى هذا الأمر إلى مواجهة بين الجيش وحزب الله".