انقلاب على الضفة الأخرى من الأطلسي... بيرس مورغان نموذجاً
في الأسابيع الأولى التي تلت هجوم 7 أكتوبر، تبنى الإعلامي البريطاني بيرس مورغان، مثل معظم الشبكات الإعلامية الغربية الكبرى، ما يمكن تسميته "الإطار الأخلاقي المشروط": تم تصوير الهجوم كنقطة انطلاق تاريخية معزولة عن سياق الاحتلال الذي دام عقوداً، وتم التركيز بشكل حصري على الصدمة الإسرائيلية.
في برنامجه "Piers Morgan Uncensored"، وصف مورغان عناصر "حماس" بـ"البرابرة"، وأكد "حق إسرائيل المطلق في الدفاع عن نفسها"، وكان يُطلب من كل ضيف فلسطيني أو مؤيد لفلسطين أن يدين "حماس" كشرط مسبق للدخول في الحوار، ما وصفه باحثون بـ "العنف المعرفي". حتى كان مورغان يستخدم استعارات مرتبطة بالصراعات الوجودية، مصوراً الصراع كمعركة بين "التحضر والهمجية"، ما ساهم في خلق "بيئة سماح" للعملية العسكرية الإسرائيلية، فتم تصوير الضحايا المدنيين في غزة كـ "أضرار جانبية".
يمثل لقاء مورغان مع الكوميدي المصري باسم يوسف في منتصف أكتوبر 2023 لحظة فاصلة بدأت عندها "تصدعات" السردية الإسرائيلية في الظهور للجمهور الغربي. لم يواجه يوسف مورغان بلغة الخطاب السياسي الخشبي، بل استخدم الكوميديا السوداء والقياس المنطقي الساخر لتفكيك الحجج الإسرائيلية.

أهمية هذا اللقاء تكمن في أنه حقق أكثر من 20 مليون مشاهدة في أسبوعين، ما أثبت لمورغان أن هناك "جمهوراً عالمياً" هائلاً متعطشاً لتحدي السردية السائدة، خصوصاُ أن يوسف نجح في إدخال مفاهيم ثقافية مفهومة للغرب، مثل تشبيه إسرائيل بشخصية "هوملاندر" (القوة العظمى غير الأخلاقية). بهذا التفاعل الرقمي الضخم، أدرك مورغان أن "الحياد" تجاه ما يراه الجمهور ظلماً قد يضر بعلامته التجارية في عصر "يوتيوب" الذي يكافئ الوضوح الأخلاقي.
في شباط/فبراير 2024، قرر مورغان مغادرة التلفزيون التقليدي والتحول إلى منصة "يوتيوب". ما كان قراره فنياً فحسب، بل تكتيكياً. فالتلفزيون التقليدي يفرض قيوداً صارمة تتعلق بـ "الحياد المفتعل"، بينما توفر "يوتيوب" فضاءً "عالمياً" يتسم بالمرونة.
لقد أدرك مورغان أن جمهوره الحقيقي ليس في بريطانيا، بل في الولايات المتحدة والسوق العالمية. وهكذا، تحرر مورغان من "سترة التلفزيون الضيقة"، فلم يعد مضطراً لموازنة كل رأي نقدي ضد إسرائيل برأي يدافع عنها.
نبض