الشرخ يزداد في النواة الصلبة للترامبية: "أميركا أولاً" لا إسرائيل

الشرخ يزداد في النواة الصلبة للترامبية: "أميركا أولاً" لا إسرائيل

"ماغا"، أو النواة الصلبة للمحافظين الأميركيين، تهتز الأرض أسفلها في ما يخص موضوع إسرائيل بالتحديد.
الشرخ يزداد في النواة الصلبة للترامبية: "أميركا أولاً" لا إسرائيل
الرئيس الأميركي دونالد ترامب. (فرانس برس)
Smaller Bigger

الضجة التي تعيشها أميركا ليست غير مسبوقة في البلد المعروف بضوضائه، إن داخلياً، أو على مستوى الكوكب. لكن هذه الطاقة المتفلتة من كل عقال مذ عاد الرئيس دونالد ترامب إلى منصبه، وافتتاحه جبهات في كل اتجاه، من الموظفين الفيديراليين إلى الحملة الهائلة على المهاجرين، إلى "تنظيف" المدن، إلى الحروب التجارية حول العالم، إلى فنزويلا وإيران… كل هذا جعل الضجيج الداخلي يصل بسرعة قياسية إلى أقصاه، حتى بدا أن الأميركيين أكيدون من أن المنتصر، في الداخل، هو من يثير جلبة أكبر. أبلغ الأمثلة على هذا، أكفّ الجمهوريين وحناجرهم التي التهبت وبحت تباعاً قبل وخلال وبعد أطول خطاب  في تاريخ الولايات المتحدة الثلاثاء الفائت.

في خضم هذا كله، تبقى إسرائيل وحرب 7 أكتوبر 2023 درّة الانقسام الداخلي الأميركي بشكل عام، والحزبي الديموقراطي بشكل خاص. وقد تبين معه بعد دراسة الانتخابات الرئاسية أن سبباً رئيسياً في خسارة مرشحته كامالا هاريس كان سياسة الرئيس السابق جو بايدن في إدارة ملف الحرب والدعم غير المشروط لإسرائيل، الذي نفّر قواعد وفئات عمرية من الاقتراع للحزب. 

ترامب، في المقابل، كان شفافاً إلى النهاية في دعمه المطلق لصديقه بنيامين نتنياهو وصولاً إلى تدخله المباشر في الحرب الأخيرة على إيران. ومع أن حزبه الجمهوري باقٍ على دعمه للرئيس، فإن مظلة ترامب الشعبية تظلل من هم أكثر اتساعاً بمراحل من الحزب الجمهوري، بدرجات متعددة من ألوان اليمين، من "ماغا" إلى الإنجيليين إلى المحافظين إلى آخره. هذا الجمهور المتنوع والأشد تعقيداً بمراحل من خصومه في أطياف اليسار، وصلت إليه الشروخ نفسها التي أصابت الديموقراطيين، بينما آلة الحرب الإسرائيلية تمعن في تدمير غزة وحياة أكثر من مليوني فلسطيني، وأميركا ترامب لا تنظر بعين الرضا فقط، بل تبذل أرقاماً خيالية من أموال دافعي الضرائب ثمناً للسلاح. فوق ذلك، ترى رئيس "أميركا أولاً"، والسلام، والعودة إلى الداخل، ينشر الآلاف من أبنائهم حول إيران، البلد البعيد عنهم، والذي يذكّرهم لفظ اسمه بآخر تجربتين دمويتين لهما: أفغانستان والعراق. هذه الحرب، التي يرقص معها ترامب رقص الفراشة مع القنديل، لا غاية منطقية من مستنقعها الآثم - بحسبهم - إلا الحليف الشرق أوسطي الأزرق، مدلل إدارة ترامب الأغلى على قلبها.

"ماغا"، أو النواة الصلبة للمحافظين الأميركيين، تهتز الأرض أسفلها في ما يخص موضوع إسرائيل بالتحديد. الإنجيليون، مريدو ترامب الأوائل الذين يشكلون أكثر من 40% لم ينقلبوا على إسرائيل بالطبع، وهي بالنسبة إليهم أرض الميعاد التي سيظهر فيها "المخلص" من جديد. لكن الانطباع الأميركي العام وصل إلى الفئات الشابة فيها بأن حرب نتنياهو كانت بالغة الدموية، وأنه يصر على توريط أميركا في حروب جديدة ليست بحاجتها، طمعاً بالمال والسلاح.

 

تاكر كارسلون. (فرانس برس)
تاكر كارسلون. (فرانس برس)

 

كارلسون الجديد
واحد من أهم مفاتيح هذا الجمهور والمؤثرين الكبار فيه هو تاكر كارلسون. هذا الوجه الإعلامي الذي لم يحجب الضوء عنه قط، ليس شخصاً بل هو أقرب إلى علامة تجارية. مؤسسة كاملة قائمة على شخص. وإذا كانت جرأته وصراحته الفظة في التعبير عن رأيه سمته البارزة، وأحد أهم أسباب شهرته، فإن مهارته الأساسية تقع في قدرته على قراءة الشارع وركوب الموجة أولاً. هكذا، تحول إلى أول صقر يرفعه ترامب على ساعده في انتخابات 2016، ليسوق نظريات التلاعب بالانتخابات عام 2020، وليعود فيكون ركناً أساسياً في حملة ترامب في 2024، مع تأثيره المباشر في قرارات ترامب في ما يخص تسمية نائب الرئيس وأسماء أخرى في الإدارة.

كارلسون الآن الصوت الأعلى والأكثر تأثيراً في انتقاد إسرائيل التي "لا تحصل أميركا على شيء منها". ومن منطلق "أميركا أولاً" بطبيعة الحال، دعا بلاده إلى ترك الدولة العبرية "تحارب حروبها بنفسها". الحوار المشهود الذي تحول إلى اشتباك مع السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هوكابي، وما تعرض له كارلسون وفريقه في المطار لدى مغادرته إسرائيل، نقطتان يضيفها إلى سجله في استهداف هذه العلاقة السامة بين البلدين، والتي تلقى قبولاً لدى جمهوره الشخصي وتدفع ترامب إلى حثه على تخفيف لهجته ضد إسرائيل. لكنه لا يبدو أنه مستعد للإصغاء إلى صديقه، بدليل استضافته متشدّداً أبيض متّهماً بمعاداة السامية، مثل نيك فوينتيس. وهو مصرّ على أن أميركا تهدر المليارات على إسرائيل بينما الحدود مشرعة للمهاجرين غير الشرعيين، وأشار إلى تأثير لوبي آيباك في الكونغرس.

كارلسون ليس وحده في هذه الجبهة الجديدة داخل اليمين الأميركي. كتفاً بكتف يقف معه حليفه وصديقه ستيف بانون، منظر "ماغا" وملهمها الذي لا يقلّ تأثيراً عن كارلسون، ويشاركه بقوة في الإيمان بأميركا أولاً معزولة بإرادتها عن العالم الخارجي، إلا في ما يتعلق بمصالحها المباشرة وليس تلك التي يفرضها آيباك.

 

كانديس أوينز. (فرانس برس)
كانديس أوينز. (فرانس برس)

 

آخرون…
صوت ثالث مؤثر لكنه أكثر جرأة، هو كاندس أوينز. الشابة الأفريقية - الأميركية (37 عاماً)، التي يتابعها عشرات الملايين، ومعروفة أيضاً بحدّة لسانها وذهابها إلى النهاية في مواقفها. هكذا انقلبت من أبرز داعمي ترامب إلى الندم والإحباط التام منه والتخلّي عن الانتماء لـ "ماغا" والتزام "أميركا أولاً" والانتقاد الشديد لتأثير إسرائيل في الداخل الأميركي حد اتهامها بمعاداة السامية والتسويق لنظريات المؤامرة ووصفها بالمرتدة.

زميلتها الأشهر في الإحباط بالطبع هي مارغوري تايلور غرين. النائبة الماغاوية الصرفة، التي استقالت في كانون الثاني/يناير الفائت، يقودها إيمانها الديني الإنجيلي أكثر ممّا تقودها السياسة. كانت من أشدّ المتحمّسين لإسرائيل بعد 7 أكتوبر، لتنقلب وتتحول إلى أول جمهورية تصف الحرب بالإبادة الجماعية، وتنضم إلى منتقدي "آيباك" وتوريط أميركا في حروب خارجية، وفي الدعم المادي والعسكري لإسرائيل. 

الناشطة التي  كسر ترامب، ملهمها الأول، قلبها حين وصفها بـ "الخائنة" قررت ألا تخوض الانتخابات بمواجهته. إسرائيل لم تكن وحدها السبب في الفراق؛ فثمة ملفات جيفري إبستين، وعدم شفافية إدارة ترامب في التعامل مع هذه المسألة بالغة الحساسية عند سيدة متدينة ومؤمنة بالقيم الأميركية مثل غرين، جعلها تعلن الفراق التام عن ترامب.

هذه الانشقاقات الآخذة بالتوسع في جسم "ماغا" ستترجم بالأرقام في الانتخابات النصفية المقبلة في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل. لكن الحرب التي تلوح بوادرها من هذه الانشقاقات تتخطى الجدال حول إسرائيل وملفات إبستين. هي على الأرجح حرب حول إرث "الترامبية" وجمهورها بعد مغادرة ترامب البيت الأبيض، والتي سيولد من رحمها أكثر من ولد ليشق طريقه الخاصة به، بعد العيش طويلاً في جلباب الأب القائد.   

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 2/26/2026 7:18:00 PM
لبس حول "ضريبة البنزين"… مجلس شورى الدولة لم يُصدر قراراً بعد والمراجعات قيد الدرس
الولايات المتحدة 2/25/2026 10:40:00 PM
صورة لـ "ستيفن هوكينغ" في ملفات جيفري إبستين تُعيد الجدل حول رحلته إلى جزر العذراء
واشنطن تشترط اتفاقاً نووياً دائماً مع إيران...
لبنان 2/26/2026 9:35:00 AM
كتب جنبلاط: "The State of the Union. Beware the ides of March #levant"