كندا... رحلة الخروج عن قاعدة الغرب الأميركي

دوليات 25-02-2026 | 06:02

كندا... رحلة الخروج عن قاعدة الغرب الأميركي

الصورة الوردية تبدلت رأساً على عقب بين الولايات المتحدة وكندا في شباط/فبراير 2025، عام واحد كان كفيلاً بقلب صورة عمرها من عمر تأسيس هاتين الدولتين.
كندا... رحلة الخروج عن قاعدة الغرب الأميركي
شاحنة عسكرية تحمل العلم الكندي خلال احتفالات يوم كندا بمدينة مونتريال، في مقاطعة كيبيك. (أ ف ب)
Smaller Bigger

أن تكون لدولة حدود مشتركة مع دولة أخرى بما يقارب تسعة آلاف كيلومتر، وتُصنّف على أنها أطول حدود برية غير محمية في العالم، فهذا يعني أن هاتين الدولتين تتمتعان بحالة من الاستقرار والتعاون السياسي والاقتصادي والأمني وكأنهما توأم، خصوصاً عندما تتشاركان اللغة والثقافة نفسيهما.

 

هذه الحالة الفريدة تنطبق على كندا والولايات المتحدة؛ لكنّ هذه الصورة الوردية تبدلت رأساً على عقب في شباط/فبراير 2025، عام واحد كان كفيلاً بقلب صورة عمرها من عمر تأسيس هاتين الدولتين.

 

وأصل الحكاية بدأ مع فرض إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب رسوماً جمركية واسعة النطاق على الواردات الكندية، شملت رسوماً بنسبة 25 في المئة على معظم السلع و10 في المئة على منتجات الطاقة. فجاء الردّ الكندي بالمثل. لكن الأمور بدت وكأنها تأخذ مساراً مختلفاً مع طلب الرئيس الأميركي ضمّ كندا لتكون الولاية الأميركية الحادية والخمسين، وكان جواب رئيس الوزراء الكندي مارك كارني من البيت الأبيض: "كندا ليست للبيع".

 

والخطوة التي رأتها الحكومة الكندية أنها الأخطر هي التقارير التي تحدثت عن دعم أميركي لمجموعة تعرف باسم "مشروع ازدهار ألبرتا" التي تطالب بانفصال مقاطعة ألبرتا الغنية بالنفط.

 

من دون الدخول في باقي الملفات الخلافية التي نتجت من كل ما سبق، فإن المسألة الأهم برزت مع إطلاق كارني خطة دفاعية تُقدّر بنحو 370 مليار دولار، لتعزيز القدرات المسلحة وتقليص الاعتماد على الولايات المتحدة. وقال إن بلاده لم تتخذ خطوات كافية تمكنها من الدفاع عن نفسها في عالم يزداد خطورة، وإنه لم يعد بالإمكان الاعتماد على الحماية الأميركية.

 

وخطوة كارني هذه تأتي ترجمة لما سبق أن أعلنه في خطابه الشهير في منتدى دافوس الأخير، حين اعتبر أن "النظام العالمي القائم على القوانين والذي تقوده الولايات المتحدة يعاني تصدّعاً". وعن هذه الخطوة تحدث عدد من الباحثين لـ"النهار" ورأوا أن الجغرافيا أكثر ما يتحكّم بالعلاقة بين الدولتين.

رهان كبير
غرفة التجارة الكندية رحّبت بخطة كارني الدفاعية، ووصفتها بأنها "رهان كبير على كندا". وقال نائب رئيس غرفة التجارة ديفيد بيرس إن حجم التمويل الجديد "غير مسبوق"، وإن نجاح الخطة سيُقاس بما إذا "ستنتج قوات مسلّحة كندية أقوى".

 

لكن يبدو أن هناك رهاناً آخر، إذ يقول جيفري دفوركين، زميل أول في كلية ماسي في جامعة تورنتو، لـ"النهار": "يرى رئيس كارني أن عهد ترامب قد يكون على وشك الانتهاء"، ويتابع أنه في الوقت الراهن يبدو أن "هناك بعض الاحتمالات المثيرة للاهتمام لتغيير طبيعة العلاقات التاريخية لكندا مع الاقتصاد الأميركي، كما يبدو أن دولاً أخرى تشعر بالمثل. ومع تراجع النفوذ الأميركي، قد تكون هذه فرصة مثيرة للاهتمام لجعل كندا أقل اعتماداً على أميركا".

 

على الجهة المقابلة من الحدود، يشير الضابط السابق في جهاز الخدمة السرية الأميركية باري دوناديو إلى أنه "من الواضح أن الرئيس ترامب لا يحب رئيس وزراء كندا، الأمر الذي أدى إلى توترات. ومع ذلك، فإن شعبي كندا والولايات المتحدة يتمتعان بعلاقات ودية للغاية تجاه بعضهما البعض"، ويقول في معرض تعليقه لـ"النهار" عن الخطة الدفاعية الكندية: "تُعد كندا جزءاً لا يتجزأ من الاستراتيجية العسكرية الأميركية لأننا نتشارك نصف الكرة الأرضية، ولا يمكن للولايات المتحدة أن تُدافع دفاعاً صحيحاً من دون الدفاع عن شمال كندا، ولهذا السبب فإن القوات العسكرية من كندا والولايات المتحدة متكاملة للغاية".

 

وبالحديث عن أمن النصف الشمالي لقارة أميركا، يجد الباحث في الشؤون العسكرية مصطفى الأسد أن كندا حالياً "غير قادرة على الاعتماد ذاتياً بأي موضوع عسكري من دون مشاركة الولايات المتحدة".

 

ويوضح، في حديثه مع "النهار"، أنه "تقليدياً خرجت الصناعات العسكرية الكندية من أي منافسة أو استقلالية منذ الستينيات، واعتمدت الصناعات المحلية على مشاركة كاملة مع الشركات الأميركية بالتكنولوجيا المستوردة وغيرها، واندمج الكنديون تماماً تحت المظلة الأميركية".

 

ويتابع الباحث المقيم في كندا أن شركات الصناعات العسكرية الكندية "انحصرت بالتكنولوجيا والبرمجة والحرب الإلكترونية وحروب المستقبل، كالروبوت، وتمّ إهمال أي موضوع يسهل الحصول عليه من أميركا". ويضيف الأسد: "اليوم استفاق العالم أن الاعتماد الشامل على أميركا غير مستدام، وتأتي خطوة الحكومة الكندية كرد على الأزمة الناشبة. ولكن هذا الأمر يحتاج إلى 5 أو 6 سنوات ليُترجم فعلياً على أرض الواقع".

 

الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني. (أ ف ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني. (أ ف ب)

 

التوجه شرقاً
بين منتدى دافوس والإعلان عن الاستراتيجية الدفاعية الكندية، ثمة حدث على هامش "مؤتمر ميونخ للأمن" لا يقل أهمية، إذ أعلنت كندا رسمياً انضمامها إلى برنامج (SAFE - Security Action for Europe) التابع للاتحاد الأوروبي، لتصبح بذلك أول دولة غير أوروبية تشارك في هذا الصندوق الدفاعي الضخم. وهذا ما يتيح للحكومة الكندية تنويع مصادر الإنفاق الدفاعي وتقليل الاعتماد المطلق على الموردين من الولايات المتحدة.

 

وبرنامج "سايف" هو أداة تمويل دفاعي تابعة للاتحاد الأوروبي، ميزانيتها 150 مليار يورو ضمن خطة "الجاهزية 2030"، ويهدف إلى تعزيز القاعدة الصناعية الدفاعية الأوروبية وتقليل الاعتماد على التكنولوجيا العسكرية الأميركية. ومن جملة ما يقدمه: قروض منخفضة الفائدة للدول المشاركة لشراء المعدات العسكرية جماعياً. وهذا ما يطرح تساؤلاً عما إذا كان هذا البرنامج نواة حلف بديل من "الناتو"، لا سيما بعد الخلافات التي ظهرت مع مطالبة ترامب بضمّ جزيرة غرينلاند.

 

وفي هذا السياق يقول الأستاذ المحاضر الكندي دفوركين: "أشعر أن حلف الناتو سيظل له دور مهم إلى جانب التحول الاقتصادي والسياسي الذي يقوم به رئيس الوزراء كارني".

 

ويلفت إلى أن "التحدي يكمن في الجانب الجغرافي، فالاقتصادات مترابطة ترابطاً وثيقاً، ولن يتغير هذا الوضع. لكن يدافع كارني عن فكرة تفكك التماسك (مع الولايات المتحدة) حتى تتغير حكومة الولايات المتحدة وتصبح شريكاً أفضل للمصالح الكندية".

 

وفي الولايات المتحدة، فإن نظرة الضابط السابق في جهاز الخدمة السرية الأميركية دوناديو تذهب باتجاه الترحيب بالخطوة الأوروبية، ويقول: "لقد طال انتظارها. لقد اعتمدت أوروبا على الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الأولى لإنقاذها عندما تحتاج إلى الحماية". ومع تأكيده في الوقت نفسه الحلف القوي مع العديد من الدول الأوروبية، يشدّد على أنه "من المهم أن تكون الدول الأوروبية قادرة على حماية نفسها وألّا تعتمد بنسبة مئة في المئة على الولايات المتحدة لإنقاذها من الأزمات الوطنية في كل مرة تحدث فيها".

 

ويربط هذه المسألة بتأثير قيام إدارة ترامب "بدفع الحلفاء الأوروبيين وحلفاء الناتو إلى الاستثمار في دفاعهم الخاص وعدم تحميل الولايات المتحدة تكاليف ذلك بالكامل".

 

أمّا على الضفة العسكرية، فيجد الأسد أن "انضمام كندا للتجمعات الأوروبية مفيد جداً بدون أي شك، كندا دولة رائدة مع أموال طائلة متوفرة وقدرة بشرية هائلة. لكن تبقى العبرة بالتزام الأوروبيين والشركاء الخارجيين بالأمور الطويلة الأجل. ورأينا تعثر الأوروبيين أمام احتياجات أوكرانيا وتأخر المصانع والحكومات على رفد الصناعات المحدودة بالأموال والمستلزمات".

 

وبالانتقال من الجغرافيا السياسية إلى التاريخ، فإن اسم العاصمة الكندية "أوتاوا" مشتق من كلمة "أوداوا" في لغة الشعوب الأصلية، وتعني "التجار" أو "المقايضين"، نظراً لعمل سكان المنطقة كوسطاء تجاريين.

 

وقد اختارت الملكة فيكتوريا مدينة أوتاوا عاصمة لكندا في عام 1857 لأسباب استراتيجية وجغرافية، منها الموقع الدفاعي الآمن بعيداً عن الحدود الأميركية، ومحمية طبيعياً بالمنحدرات العالية والغابات الكثيفة. ومن جهة أخرى يوفر نهر أوتاوا وقناة ريدو ممرات مائية حيوية للتجارة والعمليات العسكرية، ما سهّل ربط العاصمة ببقية الأقاليم الكندية.

 

فهل يعمل رئيس الوزراء كارني بناءً على المعطيات الجغرافية والتاريخية؟ قبل الإجابة علينا العودة إلى خطابه في دافوس والتوقف عند كلمته التي لا يزال يتردد صداها: "إن لم تكن على الطاولة، فأنت على قائمة الطعام".

الأكثر قراءة

اسرائيليات 2/24/2026 6:30:00 AM
تحدث الإعلام الإسرائيلي عن أن ترامب قرر تغيير نهجه بالكامل، والانتقال من خيار الضربة المحدودة إلى تبنّي استراتيجية "السحق الطويل الأمد". 
تشغل أنظمة رادار متطورة بتقنية (LPI)، التي تسمح لها بمسح ورصد الأهداف في عمق الأراضي المعادية دون أن تكتشف hgرادارات وجودها أو تردداتها.
ايران 2/24/2026 9:46:00 PM
حذّرت إسرائيل من أن "إبرام اتّفاق مع طهران سينقذ النظام الإيراني الحالي".
لبنان 2/23/2026 11:54:00 PM
لا عاصفة قطبية هذا الأسبوع… منخفض بارد وأمطار وثلوج على الجبال