أمم متحدة "أميركية"؟
بتوقيع مزخرف على وثيقة مذهبة، أنهى الرئيس الأميركي دونالد ترامب الحقبة "الوستفالية" القائمة على سيادة الدول، ليُحِلّ محلّها "ديبلوماسية صفقاتية" تدمج القوة العسكرية بالنفوذ المالي وبأحادية الشرعية القضائية في "مجلس السلام" الذي أطلقه في دافوس، والذي يبدو "أمماً متحدة أميركية" أكثر منه مجلساً للسلام في العالم. وذلك كله بعد أيام على اختطاف الرئيس الفنزويلي من قلب كاراكاس، وقبل توجّه "أبراهام لنكولن" إلى بحر العرب لمواجهة إيران.
الأصدق حتى الساعة في التعبير عن النيّات الأميركية هو خطف نيكولاس مادورو في عملية تدشّن عصر "تجريم السيادة". فواشنطن استخدمت "ثغرة عدم الاعتراف" لتصنيف فنزويلا "منظمة إجرامية"، واستعانت بالمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة التي تبرر الدفاع عن النفس، باعتبار أن "تصدير المخدرات" هجوم بيولوجي واجتماعي يعادل الهجوم المسلح. ثم استعانت تالياً بمبدأ "كير-فريزبي" الذي يبرّر محاكمة أيّ إنسان أمام محكمة أميركية، بغضّ النظر عن طريقة اعتقاله، حتى لو كانت اختطافاً غير قانوني. وهكذا، تتآكل السيادة، وتصير الحقوق السيادية لأي دولة مرهونة بتقدير واشنطن.

من جانب آخر، ترتبط النظرة إلى السلام العالمي ارتباطاً وثيقاً بمنطق الانتقام الجيوسياسي. فقبل أيام من إطلاق "مجلس السلام"، أعلن ترامب أنه لم يعد ملزماً بالتفكير "فقط في السلام"، في رسالة إلى رئيس وزراء النرويج يوهان غار ستوره، أعرب فيها عن غضبه من عدم منحه جائزة نوبل للسلام 2025 "رغم أنني أنهيت أكثر من 8 حروب، ويمكنني الآن التفكير في ما يلائم الولايات المتحدة"، مهدداً أوروبا برسوم جمركية تصل إلى 200% على المنتجات الفرنسية، مثلاً.
إلى ذلك، تزامن توقيع ميثاق "مجلس السلام" في دافوس مع تحرّك عسكري هائل للأسطول الأميركي باتجاه منطقة الخليج وبحر العرب، كيف لا و"الأمم المتحدة الأميركية" تمتلك جيشاً خاصاً بها لفرض "السلام" الذي ترتئيه.
على شرفة مجلس السلام، يقف العالم أمام نظام جديد، يتميز بالسيولة القانونية والصلابة العسكرية، ويرفض أن تكون الحدود الوطنية عائقاً أمام قوة أميركا، ويفضّل انتهاج ديبلوماسية الانتقام، وعسكرة الاقتصاد لفرض "سلام" أميركي خاص، وخصخصة الحلول الجيوسياسية، وتحقيق الأحلام الإمبراطورية بمنطق الصفقات الرابحة... من غرينلاند إلى شمال سوريا.
نبض