هل يكون مجلس ترامب للسلام فاتحة لانفلات الصراعات الدولية؟
يقول داغ همرشولد، الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة، قولاً كأنه كتب لزماننا: "لم تُنشأ الأمم المتحدة لتأخذ البشر إلى الجنة، بل لتنقذهم من الجحيم". فوظيفة المؤسسات الدولية ليست تجميل العالم، بل تقليل كلفة أسوأ ما فيه: الحروب، سوء الفهم، والصفقات التي تُعقد فوق رؤوس المتأثرين بها. وحين تصبح المؤسسات مجرد "ديكورٍ" للصفقات، يتراجع دورها الوقائي، ويرتفع ثمن المخاطر.
في السياسة الدولية، لا تولد المؤسّسات من فراغٍ بريء، بل تولد في أغلب الأحيان من جرحٍ مفتوح، أو من حربٍ لم تُغلق أبوابها بعد، ثم تتمدّد - تحت ضغط المصالح - حتى يصبح اسمها أكبر من مهمتها، وشكلها أوسع من تفويضها.
هكذا ظهر "مجلس السلام"، الذي اقترحه الرئيس الأميركي دونالد ترامب. بدأ، ظاهرياً، كأداةٍ لإدارة ما بعد الحرب في غزة، ثم أخذ يتحول إلى منصة موازية تُعاد من خلالها هندسة الشرعية الدولية من شرعية قانونية لدول متساوية (نظرياً) وذات سيادة، لتنتقل الشرعية إلى "نادٍ" محدود العضوية، تتصدّره واشنطن، ويعلو فيه صوتُ القوة على منطق القانون.
تبدأ القصة من قرار مجلس الأمن ذي الرقم 2803 الخاصّ بترتيبات غزة. من الناحية القانونية البحتة، ليس في ذلك ما يُدهش؛ الأمم المتحدة أجازت عبر تاريخها ترتيبات انتقالية في أزماتٍ استثنائية، لكن المسألة هنا لا تتعلق بمبدأ "الترتيبات"، بل بما يمكن أن يُبنى فوقها. فإذا استُخدم تفويض غزة بوصفه جسراً لإطلاق ميثاقٍ جديد يتجاوز غزة، فإننا أمام انتقالٍ من "حلٍّ ظرفي" إلى "نموذج حكم"، ومن "آلية" إلى "نظام". وحين تتحول الآليات إلى أنظمة، تبدأ الأسئلة الثقيلة: لمن تكون الكلمة؟ ومن يملك الحقّ في الدخول؟ ومن يضع الحدود ثم يُعيد رسمها؟
لا يخفى أن ترامب نفسه لوّح، في أكثر من مقام، بإمكان أن يضطلع المجلس بوظائف تُنسب تقليدياً إلى الأمم المتحدة، بل عبّر - بصيغةٍ فاقعة - عن قدرة المجلس على أن "يفعل إلى حد كبير ما نريد… بالاقتران مع الأمم المتحدة".
ليست العبارة مجرد خطابٍ انتخابي؛ إنها مفتاحٌ لفهم المعضلة: هل نحن أمام مؤسسةٍ "مُعشَّشة" في داخل تفويضٍ أممي محدود، أم أمام محاولةٍ لإعادة تعريف التفويض من داخله، ثم تجاوزه باسم السرعة والفاعلية؟

تقوم شرعية النظام الدولي بعد عام 1945 على مثلثٍ معروف: قانون دولي يحدّ من استخدام القوة، ويؤكد السيادة وتقرير المصير، ومؤسسات متعددة الأطراف تجعل الحلول أقلّ انفرادية، وأكثر قابلية للتعميم، وشرعية إجرائية تُنتج الثقة من خلال الشمولية والشفافية والتفويض الرسمي. ومشكلة "مجلس السلام"، في صورته التي تُناقش، أنه يضع هذا المثلث في اختبارٍ قاسٍ: فهو يستعير الشرعية من قرار مجلس الأمن، لكنه يسعى - بحسب المخاوف المتداولة - إلى أن يحتفظ بالقرار التنفيذي بعيداً عن قيود الأمم المتحدة، وأن يفتح الباب أمام "حوكمة نوادية" تُدار بمنطق الصفقة، لا بمنطق القاعدة.
أكثر ما يلفت في هذه الحوكمة الجديدة هو فكرة "الدخول مقابل الدفع". فإن كانت العضوية تُمنح لسنوات محددة، وديمومتها مشروطة بمساهماتٍ مالية ضخمة، فإننا ننتقل عملياً من منطق "دولة واحدة، صوت واحد" إلى منطق الغلبة العتيق: النفوذ مرجّحٌ بالقدرة المالية وبمقدار القرب من مركز القوة.
يصبح السؤال هنا: فعالةٌ لصالح من؟ وهل تتحول إعادة الإعمار والاستقرار إلى حزمةٍ مالية - أمنية يتفاوض عليها فاعلون خارجيون، بينما تُترك "الوكالة المحلية" في الحد الأدنى: حضورٌ رمزي، أو مشاركةٌ تُستدعى عند الحاجة ثم تُقصى عند القرار؟
وفي الوقت الذي نتفق فيه جميعاً على أن الأمم المتحدة عانت اختلالاتٍ بنيوية مزمنة (حق النقض، تفاوت الإنفاذ، محدودية الموارد، تسييس التمويل...)، فإن سوء أداء المؤسسة كان يعود جوهرياً إلى سوء استخدام الولايات المتحدة وحلفائها حقوق النقض وقوتهم المالية. فالقانون الدولي ليس رفاهيةً أخلاقية، إنما هو شرطٌ لتقليل سوء مخاطر الحروب الكونية. وحين تتراجع القيود، تقلّ كلفة الانحراف، وتُتخذ القرارات اعتباطياً، لتنفجر الصراعات الدولية بشكل أوسع ممّا نراه اليوم.
يتابع الباحثون هنا ثلاثة مسارات قد تجعل "مجلس السلام" أكثر من مجرد عنوان: أولاً، أن يبدأ بإزاحة دور الأمم المتحدة عملياً، فتُحال النزاعات إلى المجلس لا إلى المسارات الأممية، وتتحول الأموال والاهتمام السياسي نحو القناة الجديدة؛ ثانياً، أن يضعف القيد القانوني، فتُطبع سابقة أن "الشرعية تُشترى"، أو أن الوصاية تُدار كعقدٍ سياسي – مالي لا كمسارٍ محكوم بحقوق الشعوب وضمانات تقرير المصير؛ وثالثاً، أن يُطبع نمط «الأندية» المتنافسة، فتختار القوى الكبرى منصة القرار بحسب رغبتها، وتصبح الأمم المتحدة ساحةً بين ساحات، لا مركزاً جامعاً.

يستدعي هذا المنظر ذاكرة ثلاثينيات القرن الماضي، لا بوصفها نبوءةً بأن التاريخ سيكرر نفسه، بل بوصفها تحذيراً من دينامياتٍ تعود حين تتشابه الحوافز: تجاوز المؤسسات الجامعة، إنفاذٌ انتقائي للقانون الدولي، تصاعد التشظي والحمائية الاقتصادية، ثم سباق تسلّح يسبق الانفجار ولا يمنعه.
صحيح أن عالم اليوم مختلف (ردع نووي، شبكات مؤسسات أوسع، ترابط اقتصادي أكبر) لكن التشابه البنيوي يظهر في نقاطٍ مقلقة جداً: رغبةٌ جامحة في نفس ترامب لإنتاج شرعية شكلية، وميلٌ إلى ترتيبات ظرفية تتجاوز المؤسسات الشاملة، وتزايدٌ في التجزّؤ المؤسسي والاقتصادي.
لدرء هذه المخاطر، تتحرك أوروبا على محورين متناقضين شكلاً، لكنهما يشكّلان نوعاً من تقسيم الأدوار: بعض دولها ترفض الانخراط كي لا تمنح الشرعية لبنيةٍ منافسة، وبعضها الآخر ينخرط بشكل مشروط لفرض ضمانات حوكمة تُعيد المجلس إلى حدود تفويض غزة، وتمنع تركّز السلطة، وتُلزم بتقارير شفافة وإشرافٍ أممي فعلي. إنها محاولة لإبقاء "المؤسسة الجديدة" في داخل البيت القديم، بدلاً من أن تتحول إلى بيتٍ آخر على حسابه.
وفي بيئةٍ كهذه، يصبح "التجريب المؤسسي غير المنضبط" أقرب إلى اللعب على هاوية الحرب. إنه مسار خطير جداً بالنسبة إلى كل البشرية: انتقال هادئ من عالم القواعد إلى عالم الأندية، ومن شرعيةٍ تُصنع بالإجراء إلى شرعيةٍ تُستأجر بالصفقة. وفي السياسة الدولية، أخطر التحولات هي تلك التي تحدث بلا ضجيج.
نبض