إيران ولحظة الانفجار: عاصفة أزمات تهدد بقاء النظام
لم يعد ما تشهده إيران مجرّد موجة احتجاجات دورية يمكن احتواؤها بالقبضة الأمنية، أو بالتنازلات الظرفية. تقف البلاد اليوم أمام وضع ثوري غير مسبوق، هو حصيلة عاصفة من الأزمات المتداخلة التي ضربت الركائز السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية للنظام في آنٍ، ودفعت الشارع من منطق الاعتراض إلى منطق السعي إلى إسقاط النظام الديني الحاكم.
بدأ التحوّل النوعي مع حرب الأيام الـ12 في حزيران/يونيو 2025 بين إسرائيل وإيران، التي شكّلت صدمة استراتيجية للنظام. فاختراق الطيران الإسرائيلي الأجواء الإيرانية وضربه عشرات الأهداف الحيوية، بما فيها مواقع عسكرية ونووية حساسة، أطاح عقيدة "الدفاع المتقدّم" التي طالما تباهى بها الحرس الثوري. والأخطر، أن مقتل قادة بارزين من الجيش والحرس أسقط عملياً أسطورة الردع والمناعة، وأصاب النظام في الصميم، ولا سيّما مع الأضرار التي لحقت بمنشآت فوردو ونطنز وأصفهان.
بالتوازي، دخل الاقتصاد الإيراني في أواخر 2025 في مرحلة انهيار شامل. فقد هوى الريال إلى مستويات غير مسبوقة، وتجاوز تضخّم أسعار الغذاء عتبة 70%، ما جعل تأمين الحاجات الأساسية معركة يومية لملايين الإيرانيين. وجاءت موازنة 2026 لتصبّ الزيت على النار، إذ رفعت الإنفاق العسكري والأمني بنسبة 150%، مقابل زيادات شكلية على الأجور، ما فُهم شعبياً على أنّه إعلان صريح لانحياز الدولة ضدّ مجتمعها.
لكن الضربة الأخطر للنظام تمثّلت في انهيار تحالف البازار ورجال الدين. ففي 28 كانون الأول/ديسمبر 2025، شهدت طهران إضرابات عفوية في الأسواق التجارية، نتيجة استحالة التسعير في ظل الفوضى النقدية. ولم تكن الهتافات التي رُفعت لاحقاً، وعلى رأسها "الموت للديكتاتور"، تفصيلاً عابراً، بل كانت مؤشراً بالغ الدلالة إلى خسارة النظام لإحدى ركائزه التاريخية التي شكّلت العمود الفقري لثورة 1979.
خارجياً، تزامنت هذه التطوّرات مع تشديد الخناق الديبلوماسي والمالي. فإعادة تفعيل آلية "السناب باك" في أيلول/سبتمبر 2025 أعادت فرض العقوبات الدولية كاملة، وأغلقت منافذ الالتفاف على صادرات النفط. ثم جاءت ضربة إضافية مع اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو مطلع عام 2026، ما أدّى إلى تفكيك أحد أهم مسارات "الأسطول الخفيّ" الذي استخدمته طهران لتهريب النفط والذهب، وزاد من عزلتها الدولية.
في الداخل، بدا لافتاً اعتماد السلطة المتزايد على ميليشيات أجنبية حليفة للمشاركة في ضبط الشارع. هذا الخيار، الذي اعتُبر بمثابة "استيراد للقمع"، عكس اهتزاز الثقة بين النظام وأجهزته الأمنية التقليدية، وأشعل في المقابل غضباً وطنياً واسعاً يرى في هذا السلوك إهانة للسيادة وتحويلاً لإيران إلى ساحة نفوذ لقوى خارجية.
يشبه "نظام الملالي" اليوم سداً ضخماً تراكم خلفه غضب شعبي لعقود، إلى أن جاءت الحرب كزلزال ضرب أساساته، فيما شكّلت الأزمة الاقتصادية سيولاً تضغط عليه من الداخل. ومع تصدّع البازار، الذي مثّل يوماً "الإسمنت" الرابط بين السلطة والمجتمع، دخل السد مرحلة التصدّع النهائي... أما محاولات ترقيعه بالقوّة فتبدو أقرب إلى تأجيل انهياره منها إلى منعه.
نبض