مؤشّر البيتزا… من مزحة استخباراتية إلى إنذار سياسي في زمن ترامب
عاد "مؤشر البيتزا" إلى الواجهة بقوة في الأيام الأخيرة، مع حديث عن ارتفاع غير اعتيادي في طلبات البيتزا قرب البنتاغون بنسبة وُصفت بأنها "صاروخية"، بالتزامن مع أجواء توتر سياسي وأمني، وتصريحات نارية أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن إيران والعقوبات والرسوم الجمركية. فجأة، عادت القاعدة الذهبية القديمة في واشنطن: إذا كثرت البيتزا ليلاً… فثمة شيء يُطبخ.
القصة، في أصلها، ليست اختراعاً من خيال الإنترنت. في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، طوّر جهاز الاستخبارات السوفياتية ما عُرف باسم "Pizza Intelligence" أو "بيتزنت". الفكرة بسيطة وذكية: راقب توصيل الطعام ليلاً إلى البنتاغون ووكالة الاستخبارات المركزية. فإذا كانت الأضواء مشتعلة، والموظفون يعملون حتى الفجر، والطلبات تتضاعف، فهناك أزمة أو عملية كبرى قيد التحضير.

هذا النمط لم يبق سرياً طويلاً. سائقو توصيل في واشنطن لاحظوا بأنفسهم أنهم يستطيعون "استشعار الأخبار" قبل وقوعها. قبل غزو غرينادا عام 1983، وقبل عملية بنما عام 1989، تكرّر المشهد نفسه: طلبات بيتزا غير مسبوقة في ساعات متأخرة. حتى أن مجلة "تايم" وثّقت عام 1990 شهادة أحد العاملين في دومينوز قال فيها إنهم عرفوا بحدث كبير قبل 72 ساعة فقط من عدد الطلبات.
ذروة "مؤشر البيتزا" كانت خلال أزمة الخليج. مئات الطلبات دخلت البنتاغون في ليالٍ سبقت انطلاق العمليات العسكرية. عندها، قال أحد مراسلي البنتاغون ساخراً وجاداً في آن: "الخلاصة للصحافيين؟ راقبوا البيتزا دائماً".

اليوم، يعود المؤشر بروح جديدة، ممزوجاً بثقافة الإنترنت والسخرية السياسية. عبارة "لم يحدث شيء على الإطلاق" تُستعاد كلما اهتزّ العالم: تهديدات نووية، حروب، انقلابات… ثم يُقال بثقة ساخرة إن كل شيء طبيعي. لكن ماذا لو لم يكن كذلك؟ ماذا لو كان ارتفاع البيتزا إشارة صغيرة وسط ضجيج الأخبار؟
في زمن ترامب، ازدادت حساسية هذا النوع من الإشارات. فتصريح واحد منه قد يرفع منسوب التوتر الإقليمي أو يربك الأسواق، ومعه تعود الأسئلة: هل ما يجري مجرد ضجيج إعلامي؟ أم أن خلف الجدران هناك اجتماعات طارئة وقرارات تُحضَّر؟

هنا يدخل عنصر جديد على الخط: أسواق التنبؤ مثل Polymarket، التي تقيس "قلق العالم" بالأرقام. عندما يبدأ المتداولون بالمراهنة بأموال حقيقية على سيناريوهات حرب أو تصعيد كبير، يتحرك المؤشر. وعندما تتراجع الرهانات، يعود الجميع للاطمئنان… أو للتظاهر بأن كل شيء على ما يرام.
"مؤشر البيتزا" ليس علماً دقيقاً، ولا أداة رسمية. هو خليط من تجربة تاريخية، وسخرية ذكية، وحدس صحافي قديم. أحياناً، تكون الزيادة مجرد جوع ليلي. وأحياناً أخرى، كما أثبتت التجربة، تكون العجينة الساخنة أول من يهمس بأن "شيئاً ما يحدث"… حتى قبل البيانات الرسمية.
نبض