متى تدخّل الموساد في احتجاجات إيران؟
منذ انتصار الثورة الإسلامية في إيران في 1979، بذلت إسرائيل جهوداً كبيرة محاولةً التأثير في الرأي العام الإيراني، إلا أن ثمة فرق حاسم بين "عمليات إسرائيلية موثقة" و"ادعاءات مثيرة للجدل". ففي ما يتعلق بالاغتيالات الموجهة والعمليات العسكرية، الأدلة موثقة. لكن، حين البحث في دور إسرائيلي مباشر لتأجيج الاحتجاجات الداخلية ضد نظام طهران، فالصورة أشد تعقيداً وأقل وضوحاً من الرواية الإيرانية الرسمية.
ما بعد الثورة: فرصة ضائعة
في مقالة بعنوان "اغتيال كان سيغير مجرى التاريخ"، تروي "جيروزاليم بوست" الإسرائيلية أن شهبور بختيار، آخر رئيس وزراء لآخر شاه في إيران رضا بهلوي، طلب من الموساد في كانون الثاني/يناير 1979 اغتيال آية الله الخميني المنفي حينها بباريس. رفضت القيادة السياسية الإسرائيلية تلبية هذا الطلب، ظناً منها أن الإيرانيين سيتعاملون معه بأنفسهم. تضيف الصحيفة: "كان هذا خطأ استراتيجياً، إذ مكّن الثورة الإسلامية من الانتصار".
بعد الثورة، قطعت إيران علاقاتها الرسمية مع إسرائيل، ومنحت منظمة التحرير الفلسطينية مقر السفارة الإسرائيلية. لكن، في خلال حرب الخليج الأولى مع العراق (1980-1988)، اتخذت إسرائيل موقفاً براغماتياً، إذ صارت سراً أحد مزودي إيران الرئيسيين بالسلاح. تقول الصحيفة الإسرائلية نفسها في تقرير بعنوان "تحالف إسرائيل وإيران: مبيعات تل أبيب من الأسلحة لإيران خلال حربها مع العراق"، إن تل أبيب - بحسابات جيو-سياسية - أرادت أن يمنى العراق المدعوم سوفياتياً بالهزيمة، ما من شأنه أن يعيد خلط الأوراق في مسألة النفوذ الإقليمي. وتنسب الصحيفة إلى تريتا بارسي، مؤسسة ورئيسة المجلس الوطني الإيراني الأميركي ومؤلفة كتاب "التحالف الخائن: التعاملات السرية بين إسرائيل وإيران والولايات المتحدة"، قولها: "رأت إسرائيل أن من الضروري لأمنها في المنطقة لأن تبني تحالفات مع دولة غير عربية على هامش الشرق الأوسط، من أجل موازنة الجوار المباشر للدول العربية".
كذلك، وفرت إيران معلومات استخبارية لإسرائيل كي تنفذ "عملية أوبرا" في عام 1981، لتدمير مفاعل تموز النووي العراقي، مقابل تلقي بيانات استخبارية إسرائيلية.
حرب باردة على البرنامج النووي
في ثمانينيات القرن الماضي وتسعينياته، كان البرنامج النووي الإيراني هدفاً لعمليات إسرائيلية استخبارية صامتة ومنتظمة. فقد راقب الموساد محاولات إيران الحصول على تقانة نووية من أوروبا وآسيا ودول الاتحاد السوفياتي السابق، فاستخدم شركات وهمية ونفذ عملاؤه عمليات استدراج للكشف عن هذه الصفقات وتخريبها. كذلك، راقب الموساد العلاقات الإيرانية – الباكستانية، إذ كانت إسلام اباد تساعد طهران في الملف النووي نفسه.
ما كانت عمليات الموساد موجهة لتأجيج الاحتجاجات الداخلية حينها، بل لتخريب البنية التحتية النووية. وفي هذا الاتجاه أتت عمليات اغتيال منسقة لأبرز علماء إيران النوويين. فبين عامي 2007 و2012، اغتال الموساد العلماء مسعود علي محمدي وفريدون عباس (2010) وأحمدي روشن (2012)، وغيرهم. في هذه السنوات، اعتقلت إيران نحو 15 إيرانياً يُزعم أن الموساد دربهم، وأنهم شاركوا في تنفيذ الاغتيالات.
الثورة الخضراء
احتلت الثورة الخضراء المساحة الأكبر في الروايات الإيرانية عن "التدخل الأجنبي في البلاد". فبعد انتخابات رئاسية مشكوك في نزاهتها في حزيران/يونيو 2009، اندلعت احتجاجات ضخمة في جميع أنحاء البلاد.
تشير البيانات إلى أن الثورة الخضراء كانت في اساسها حركة محلية، بدأت بوصفها ردة فعل مباشرة على نتائج الانتخابات المثيرة للجدل، قادها مير حسين موسوي ومهدي كروبي، وامتدت ستة أشهر متتالية بتنظيم محلي.
في دراسة بعنوان " Iranian Democratization Part I: A Historical Case Study of the Iranian Green Movement" في جامعة جنوب فلوريدا، وجد الباحث فيكتور ساندكويست أن "لا أدلة موثوقة على أن الاحتجاجات كانت بتدبير خارجي، إنما كانت ردة على احتياجات محلية حقيقية: فساد، قمع سياسي، وانتهاك لحقوق الإنسان". إلا أن السردية الإيرانية أصرت على استخدام مصطلح "تآمر أجنبي"، واتهمت طهران الولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل بـ "هندسة" الاحتجاجات، وأجبرت المعتقلين على اعترافات مأخوذة تحت التعذيب تؤكد هذا الادعاء، كما استخدمت الرواية نفسها لتبرير الملاحقة والتعذيب والإعدامات.
وكلاء لإسرائيل
ربما كان الدور الإسرائيلي المباشر في تأجيج الشارع الإيراني حينها محدوداً، لكن إسرائيل استخدمت بعد ذلك مجموعات معارضة مسلحة ليكونوا وكلاءً لها. أهم هذه المجموعات كانت منظمة "مجاهدي خلق"، التي تأسست في عام 1965، وكانت في صف الثورة الإسلامية، ثم انقلبت عليها.
ففي آب/أغسطس 2025، كشفت صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" عن تعاون مباشر بين الموساد و "مجاهدي خلق"، تُرجم بتقديم المنظمة الإيرانية المعارضة معلومات استخبارية عن علماء البرنامج النووي الإيراني في مقابل دعم مالي وعسكري وتدريبي من الموساد. كذلك، عملت المنظمة، وفقاً للصحيفة نفسها، "وكيلاً" لتنفيذ عمليات التخريب والاستخبارات، علماً أن السلطات الإيرانية قالت إنها اعتقلت في حزيران/يونيو 2025 عضويين تابعين للمنظمة، بتهم تصنيع منصات إطلاق صواريخ، وأعدمتهما.
إلى جانب منظمة "مجاهدي خلق"، تلقت مجموعة "جندالله" البلوشية السنية، التي أسسها عبد الملك ريغي عام 2003، دعماً أميركياً مؤكداً في عامي 2007 و2008، إلا أن لا أدلة موثقة عن دعم إسرائيلي.
انتفاضة الحجاب
بعد مقتل مهسا أميني في ايلول/سبتمبر 2022 على يد شرطة الآداب الإيرانية، اندلعت موجة احتجاجات عفوية غير مسبوقة في البلاد، دفاعاً عن حقوق المرأة والحريات الشخصية. كان الطابع الأساسي للحراك محلياً تاماً من دون أدلة موثوقة على تدخل أجنبي، إلا أن مجموعات حقوقية تلقت دعماً ديبلوماسياً من الغرب، ولا دليل على تورط استخباري إسرائيلي.
حرب الـ 12 يوماً
في 12 و13 يونيو 2025، شنت إسرائيل عملية "النسر الصاعد" العسكرية ضد إيران، استهدفت البرنامج النووي الإيراني وقدرات طهران الصاروخية، مستخدمة أكثر من 200 طائرة، لتنفيذ أكثر من 100 غارة جوية. نجم عن الموجة الأولى مقتل 9 علماء نوويين و15 قائداً عسكرياً رفيع المستوى.
لا شك في أن النجاح العسكري الإسرائيلي كان معتمداً على عمليات استخبارية سرية مكثفة: وبحسب تقرير إسرائيلي، الموساد هرّب أسلحة وطائرات من دون طيار إلى إيران عبر شاحنات وحاويات شحن وحتى حقائب سفر، وأسس قاعدة داخل إيران لإطلاق الطائرات المتفجرة، ونشر عملاؤه أسلحة موجهة بالليزر قرب أنظمة الدفاع الجوي، ونشطت وحدات كوماندو إسرائيلية داخل طهران والعمق الإيراني.
أصيب النظام الإيراني بحال من الريبة والخوف الداخلي، فتم اعتقال أكثر من 1000 إيراني فوراً، وشددت الحكومة مراقبتها، وطلبت من المواطنين التجسس بعضهم على بعض، كما زادت الاعتقالات المتعلقة بـ "التجسس" بشكل حاد.
احتجاجات يناير 2026 والدور الإسرائيلي المعلن
في أواخر كانون الأول/ديسمبر 2025، اندلعت موجة جديدة من الاحتجاجات في إيران، بعد انهيار الريال الإيراني مقابل الدولار الأميركي، وارتفاع نسب التضخم والبطالة بين الشباب، وتفشي الفساد الحكومي والتوزيع غير المتكافئ للموارد، إضافة طبعاً إلى الحكم الاستبدادي المنهجي وقمع المعارضة، ناهيك عن ردات فعل شعبية بعد 12 يوم من الحرب مع إسرائيل أضعفت صورة النظام العامة.
بدأت الاحتجاجات اقتصادية، ثم تحولت إلى حراك مناهض للنظام، مع مطالبات بتغييره، فانتشرت التظاهرات في عشرات المدن، وأسفرت المواجهات عن عشرات القتلى ومئات الجرحى.
في هذه الاحتجاجات، وخلافاً لسابقاتها، التدخل الإسرائيلي "معلن علناً". فلأول مرة في التاريخ، أعلن الموساد علناً عن دعمه للاحتجاجات الإيرانية، فغرد على حسابه في "اكس" بالفارسية في 30 ديسمبر 2025: "اخرجوا إلى الشارع معاً. آن الأوان. نحن معكم. ليس من بعيد أو بالكلمات فقط. نحن معكم أيضاً على الأرض".
نبض