الصراع في الكونغو الديموقراطية يثير مخاوف من "حرب عالمية أفريقية ثانية"
هذه الحركة المسلحة تقودها مجموعة من أقلية التوتسي، الذين رأوا في حمل السلاح السبيل الوحيد لاستمرار وجودهم بعد حرب الإبادة الجماعية التي تعرضوا لها في رواندا من الهوتو عام 1994.
كأن الصراع في أفريقيا لا ينتهي إطلاقاً، وإن فعل فيعود بعد سنوات بأشكال مختلفة، على الأقل هذا ما يحدث في الكونغو الديموقراطية التي يبدو أنها لا تزال تحمل وزر حرب الإبادة الجماعية في رواندا التي ذهب ضحيتها حوالى 800 ألف شخص من التوتسي والهوتو.
حركة "مارس 23" أو "أم 23"، المدعومة من رواندا، تتقدم نحو مدينة غوما الحدودية في المنطقة الشرقية من الكونغو الديموقراطية التي تتجاوز مساحتها تلك عند جارتها بأضعاف، لا بل إنها تقارب مساحة أوروبا الغربية على عكس رواندا الدولة الصغيرة.
هذه الحركة المسلحة تقودها مجموعة من أقلية التوتسي، الذين رأوا في حمل السلاح السبيل الوحيد لاستمرار وجودهم بعد حرب الإبادة الجماعية التي تعرضوا لها في رواندا من الهوتو عام 1994.
وبعد وقت قصير على إنشائها عام 2012، اكتسبت حركة "أم 23" بسرعة أراضي واسعة وتمكنت من الاستيلاء على مدينة غوما. وخلال تلك الفترة اتُهمها المجتمع الدولي بارتكاب جرائم حرب وانتهاكات لحقوق الإنسان.
وتعرضت لاحقاً لسلسلة من الهزائم على يد قوات تابعة للأمم المتحدة وجيش الكونغو. ومن ثم وافقت على الاندماج بالجيش بعد وعود بحماية التوتسي.
في عام 2021، اعتبرت الحركة أن الوعود التي قُطعت لها قد انتُهكت، ومن ثم قامت بالاستيلاء على مساحات شاسعة من أراضي شرق الكونغو ما أدى إلى أزمة إنسانية ونزوح الآلاف.
وهنا يشرح الباحث والمتخصص في الشأن الأفريقي عطية عيسوي، أن حركة "أم 23" هي حركة "مدافعة عن التوتسي عندما فروا من رواندا خلال حرب الإبادة، وانضموا إلى التوتسي المقيمين شرق الكونغو"، ويشير في حديثه الى "النهار" إلى أن رواندا تقوم بمساعدة هذه الحركة وتدعمها بالسلاح، وأحيانا تتدخل من خلال قواتها العسكرية "بحجة الحفاظ على التوتسي المقيمين في الكونغو الديموقراطية والقضاء على المتمردين الهوتو بذريعة أنهم يشنون هجمات على رواندا لتغيير الحكم".
بوادر الصراع بدأت تتأجج منتصف كانون الأول/ ديسمبر الماضي مع الإعلان عن إلغاء قمة بين جمهورية الكونغو الديموقراطية ورواندا بشكل مفاجئ، بعد وصول المحادثات لإنهاء القتال في شرق الكونغو الديموقراطية إلى طريق مسدود، ما أحبط الآمال بالتوصل إلى اتفاق سلام في المنطقة التي تشهد نزاعاً مسلحاً منذ 30 عاماً.
ومن الأسباب التي أدت إلى تعثر المحادثات، طلب رواندا من جمهورية الكونغو الديموقراطية فتح حوار مباشر مع حركة "أم 23"، الأمر الذي رفضته كينشاسا لاعتبارها الحركة من "أعداء الجمهورية"، وقالت إنها مستعدة فقط للتفاوض مع رواندا التي تدعمها.
حرب عالمية صغرى؟
ومع تعهد الحركة "مواصلة مسيرة التحرير" إلى كينشاسا بعد استيلائها على جزء كبير من مدينة غوما، بدأت ترتفع معها موجات القلق الدولي وخصوصاً أن المنطقة تحتوي على ثروات طبيعية كبيرة لاتزال غير مستثمرة.
وبدأ التحرك الدولي مع زيارة وزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو إلى رواندا بهدف إيجاد حلّ ديبلوماسي للصراع، وأعقب ذلك تصريح للرئيس الأميركي دونالد ترامب وصف فيه الأزمة بين رواندا والكونغو الديموقراطية بأنها "مشكلة خطيرة جدا". وكل الجهود الدولية تصب لمنع تفاقم الأزمة لتصبح إقليمية، خصوصاً أن الجماعات الجهادية الناشطة في تلك المنطقة من أفريقيا يمكن لها أن تستغل الظروف الحالية لتعزيز تواجدها. ولهذه الأسباب عقدت الدول الثماني في مجموعة شرق أفريقيا قمة طارئة ودعت إلى وقف فوري للنار والبدء بعملية تفاوض، كما طالب مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة المتمردين بوقف الهجوم.
وفي هذا السياق، يقول الباحث عيسوي إن "هذا الصراع هو إقليمي تتدخل فيه رواندا بشكل مباشر وأحيانا أوغندا، لأن هناك حركة متمردة ذات توجهات إسلامية تشن هجمات على أوغندا من داخل الكونغو الديموقراطية"، ويضيف أنها لم تتدخل عسكرياً بشكل واسع لكن يمكن ذلك إذا اقتضى الأمر، خصوصاً في ظل وجود "مخاوف من تكرار ما وقع عام 2004 من تدخل دول أخرى مثل أنغولا حفاظاً على مصالحها و تكرار ما سميت الحرب العالمية الصغرى عندما امتد الصراع إلى خمس دول".
في تقرير مفصل أعدّه "معهد دراسة الحرب"، أشار إلى أن من المرجح أن يستمر تصعيد الحرب في شرق جمهورية الكونغو الديموقراطية في الأمد القريب، "لأن المكاسب العسكرية التي حققتها حركة أم 23 لم تجبر جمهورية الكونغو الديموقراطية على الموافقة على المفاوضات معها، كما أن رواندا في وضع أفضل لردع العقوبات المحتملة التي دفعتها إلى خفض دعمها الحيوي لحركة أم 23 عام 2012".
وهنا يقول الباحث عيسوي، من القاهرة، إن رواندا الدولة الصغيرة من ناحية المساحة مقارنة بالكونغو الديموقراطية، "مجهزة عسكرياً ولديها جيش قوي عملت على إنشائه منذ حرب الإبادة الجماعية، وهذه القوات المسلحة تدربت في تنزانيا وحصلت على السلاح... وباتت تشكل خطراً على الكونغو الديموقراطية لأن جيشها غير المدرب بشكل جيد لا يستطيع أن يسيطر على الأراضي كاملة ومن هنا يأتي الفرق بين القوتين العسكريتين".
ونقلت شبكة "سي أن أن" عن تحليل أجراه لاد سيروات، وهو محلل أفريقي كبير في ACLED، وهي مجموعة مقرها المملكة المتحدة تجمع البيانات عن الصراعات العنيفة، أنه مع تصاعد التوترات في شرق جمهورية الكونغو الديموقراطية، تواجه السلطات سيناريوهين محتملين، الأول بعد سيطرة حركة أم 23 وقوات الدفاع الرواندية على غوما قد تذهب الحكومة الكونغولية وحلفائها الإقليميين إلى التفاوض. وأضاف أنه بخلاف ذلك قد تدفع الأحداث كينشاسا إلى حلّ عسكري وتوسع الصراع من خلال زيادة المعارك لاستعادة غوما والهجمات عبر الحدود إلى رواندا.
وتبقى الإشارة إلى أنه منذ بداية عام 2025، أُجبر أكثر من 400 ألف شخص على ترك منازلهم، وفقاً لوكالة الأمم المتحدة للاجئين، وهي أرقام مرشحة للارتفاع بسرعة مع ما يرافقها من اضطهاد وانتهاكات لحقوق الإنسان، هذا إن لم تتوسع الحرب على رقعة الشطرنج الأفريقية لتُدخل القارة في "الحرب العالمية الأفريقية الثانية".
نبض