يكتفي الناس في الجزائر، خصوصاً من الموظفين والعمال، في هذه الأيام الحارّة، بتناول وجبات سريعة مثل البيتزا والهمبرغر، وما يحلو لهم ويطيب، لكن الوضع يختلف مع مرضى "السيلياك"، فهم محكومٌ عليهم بتناول وجبة خاصة لا يتحمّلها غيرهم.
الإصابة بمرض "السيلياك" تشكّل عبئاً ثقيلاً على المرضى، فهي تُدخلهم في متاهة مظلمة بسبب القلق والخوف من الرحيل، وخصوصاً أنّ المرض يسبّب متاعب صحية خطيرة، في ظلّ ندرة وغلاء المنتوجات الغذائية الخالية من الغلوتين في الأسواق، وأيضاً قلّة مصنّعيها وضعف خبرتهم في البلاد.
الاسم هو "المرض الزلاقي"، ويُطلق عليه مرض "السيلياك" والاعتلال الغلوتيني، وهو مرض مناعي مزمن، يهاجم الجسم نفسه وتحديداً الأمعاء الدقيقة عند تناول الغلوتين، وليس الحساسية بحسب منظّمة الصحة العالمية.
"السيلياك" مرضٌ خطير، يُلحق الأضرار بالفرد ويصل مداه إلى المجتمع، حسبما أوردت الرابطة الألمانية للصحة. ومن تداعياته أنّه يجعل المصاب به أكثر عرضةً للإصابات بالأمراض التالية: هشاشة العظام، فقر الدم، داء السكري، مشكلات الغدّة الدرقية، التهاب الجلد، اضطراب الجهاز العصبي، أمراض الكبد، وفشل في النمو، مضاعفات الحَمْل، وقصور الطحال.
قصص مأسوية
أسماء، شابة جزائرية تبلغ من العمر 14 عاماً، اكتشفت إصابتها وشقيقها بالمرض عندما كانت في مقتبل العمر. تقول والدتها إنّها "اكتشفت في البداية أنّ وزن ولديها بدأ في التراجع، وظهرت عليهما مِؤشرات التعب. أجرينا لهما تحاليل وفحوصاً طبية أثبتت إصابتهما بهذا المرض". وتضيف: "من هنا بدأت معاناتي معهما، ونحن متعايشون مع المرض، لكن الأمر الذي أرهقني أنا ووالدهما هو تكاليف العلاج، لاسيما وأنّ راتبه الشهري لا يتخطّى 300 دولار أميركي، فالجزء الكبير منه يشمل المصاريف الثابتة مثل الكراء والفواتير والتأمينات وحاجات دراسة الأبناء".
وازدادت الأمور تعقيداً وفق والدة أسماء بعد وصولها إلى سن البلوغ، وتقول إنّ "حالة الاضطراب الأولى برزت في الحيض، إذ تسبّب مرض السيلياك في خلل بالهرمونات التي تجعل العادة عند المرأة مرّتين بالشهر، يعني ما بين 10 و15 يوماً عوض 25 أو 28 يوماً".
وتروي مسعودة، وهي جزائرية في العقد الرابع، قصة صراعها مع المرض، وتقول إنّها اكتشفت إصابتها بالداء الباطني مصادفة، ولولا إجهاضها المتكرّر لم تكن لتكتشف ذلك. وتضيف: "عانيت إجهاضات متكرّرة، وهو ما دفعني إلى الذهاب للمعالجة لأكتشف إصابتي بالسيلياك، فالتزمت بالنظام الغذائي الخالي من الغلوتين".
وبعد فترة من العلاج، حظيت مسعودة بفرصة الإنجاب بشكل طبيعي، لكن ظهرت تداعيات المرض على رضيعها الذي وُلِد بجسد هزيل ولا ينمو على نحو كافٍ مع مرور الوقت.
ومن جهتها، تقصّ صفية جباري، التي تترأس حالياً جمعية جزائرية لمرضى "السيلياك"، حكايتها مع هذا المرض، قائلة: "إصابتي بالمرض كانت في شباط (فبراير) 2008، لم تكن لديّ أدنى فكرة عن هذا الداء، ومن هنا بدأت معاناتي ومتاعبي مع المرض والحمية".
مطالب بالرعاية الصحية
وتقول صفية لـ"النهار العربي" إنّ مرضى الداء الزلاقي لا يعانون من عبء المرض فحسب، وإنما من التكاليف المادية التي أثقلت كاهلهم، فالبعض منهم لا يستطيعون تغطيتها، لاسيما وأنّ أدوية "السيلياك" لا تُعوّض بشكل تام من الصندوق الجزائري للضمان الاجتماعي، إضافة إلى نقص الأغذية الخالية من الغلوتين، باعتباره العلاج الوحيد لتفادي التعقيدات.
وتضيف أنّ "أكبر عائق يواجه المرضى هو مضاعفات المرض بسبب غلاء المواد، وهو الأمر الذي يجعلهم عاجزين عن تأمينها، ما يدفعهم للتهاون مع الحمية، وهو ما حصل مع إحدى المريضات، فبسبب تهاونها أُصيبت بسرطان الأمعاء".
وأمام هذه المشكلة، تقترح صفية "منح التحفيزات والتسهيلات لجلب وتشجيع المستثمرين لخوض مجال الصناعات الغذائية الخالية من الغلوتين".
ولا يقتصر الأمر على تأمين الغذاء فقط، إذ أثارت صفية جباري مسألة عجز المستشفيات الحكومية عن تأمين التحاليل الطبية المختلفة، وهو ما يدفع المرضى للتوجّه نحو القطاع الخاص، رغم أنّه ليس في متناول جميع المرضى بسبب غلاء الأسعار، لاسيما ما يتعلق بالناضور وتحاليل الدم.
المطلوب اليوم إذاً، بل الواجب اتخاذه عاجلاً من أجل تخفيف معاناة المرضى، وفق صفية، إدراج المرض ضمن لائحة الأمراض المزمنة، مع تأمين الأدوية التي ترافق مرضى "السيلياك" مئة في المئة، إضافة إلى دعم أسعار المواد الخالية من الغلوتين للمرضى، كمادتي الأرز والذرة، وأيضاً تدعو هذه الفئة لإيجاد آليات وقوانين تستوجب التصريح بوجود الغلوتين من عدمه في المنتجات الاستهلاكية.
تحقيق برلماني
ويمضى نواب في البرلمان الجزائري قدماً نحو إنشاء لجنة تحقيق برلمانية بشأن غذاء مرضى "السيلياك" المغشوش في السوق، وهي اللجنة التي حظيت بقبول مكتب البرلمان، في سابقة هي الأولى من نوعها منذ عام 2011.
وحسبما ورد في اللائحة الخاصة بالتحقيق البرلماني بشأن موضوع غذاء مرضى "السيلياك" المغشوش في السوق، فإنّ التحقيقات الميدانية والتحاليل التي قامت بها المنظمة الجزائرية لحماية المستهلك، أثبتت وجود غش في بعض المواد والمنتوجات المعروضة للاستهلاك، حيث أُخذت العينات بتحليل 27 منتوجاً موجّهاً للمرضى على مستوى مختبر عمومي، توصلت من خلالها إلى اكتشاف 11 منتوجاً مغشوشاً وغير مطابق، ويحتوي على مادة الغلوتين المسبّبة للحساسية والمعقّدة لصحة هذه الفئة.
وقال معدّو التحقيق إنّ "هذه النتائج تجعلنا ندقّ ناقوس الخطر، ونتحمّل مسؤوليتنا النيابية في تبنّي هذه القضية والدفاع عنها، والمطالبة بإنشاء لجنة تحقيق برلمانية حولها، على اعتبار أنّ حماية صحة وحياة هذه الفئة من صميم مهامنا".
ولعلّ أبرز نقطة سلّطوا الضوء عليها، أنّ "مرضى السيلياك يعانون في صمت بسبب عدم التكفّل بهم من الجهات المعنية، فضلاً عن حاجتهم الكبيرة إلى رعاية صحية خاصة، واتباع حمية غذائية معينة".
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
آراء
5/19/2026 4:27:00 AM
المسّ بركائز وثيقة الوفاق الوطني –سواء بطريقة مباشرة عبر طرح مشروع "المُثالثة"، أو بطريقة ملتوية عبر المناداة بتطبيقٍ ملتوٍ للطائف تحت شعار تطبيقه "كاملاً" – قد يُدخل البلاد في سجالٍ يدفع بها نحو الحرب الأهلية...
لبنان
5/19/2026 10:50:00 AM
يتحول الطقس تدريجياً إلى متقلب مع أمطار متفرقة ورياح ناشطة تصل أحياناً ٧٥ كلم/س مع ارتفاع لموج البحر ويستمر حتى مساء يوم الخميس
لبنان
5/19/2026 2:15:00 PM
اعتماد أحكام القانون الرقم 194 الصادر عام 2011 بالنسبة إلى المبعدين، واعتبار أحكامه نافذة
مجتمع
5/18/2026 10:32:00 AM
البطريرك المزعوم جان عبود هو كاهن روم كاثوليك سابق تابع لأبرشية طرابلس، كان قد تم توقيفه من الخدمة الكهنوتية وفُرضت عليه العقوبات الكنسية.
نبض