صحّة المرأة لا تنتظر: إعلان بيروت وامتحان الوعد
بقلم الدكتور فيصل القاق
في عام 1942، والحرب العالمية الثانية في ذروتها، صدر في بريطانيا تقرير بيفريدج، واضعاً أسساً لحماية اجتماعية شاملة، تكون الرعاية الصحية أحد أركانها. وبعد ست سنوات، انطلقت الخدمة الصحية الوطنية. لم يكن التقرير وحده كافياً لبناء المؤسسة، لكنه منح الإصلاح وجهة، وجعل الوعد العام مشروعاً سياسياً يمكن المطالبة به. لم ينتظر أصحابه انقضاء الحرب كي يفكّروا في الغد.
أستحضر هذه التجربة لأن لبنان الذي تتوالى عليه الأزمات، يحتاج إلى استعادة قدرته على التخطيط بقدر حاجته إلى النجاة. ففي زمن الانهيار، يسهل أن تُختزل الصحة في تدبير الطوارئ، وأن تُرحَّل الوقاية والرعاية المستمرة إلى مستقبل لا يأتي. وتدفع النساء وصحتهن ثمن هذا التأجيل، حين تصبح صحتهن بنداً يتراجع كلما تقدّمت أزمة أخرى
من هنا، جاءت أهمية أن يخصّص المؤتمر الطبي للشرق الأوسط في الجامعة الأميركية في بيروت دورته لصحة المرأة عبر مراحل الحياة. فقيمة هذا الاختيار تتجاوز جمع الاختصاصات وعرض المستجدات العلمية؛ إنه يعيد طرح سؤال أساسي: كيف يتحوّل ما نعرفه في الطب إلى رعاية تصل إلى من تحتاج إليها؟
وصحة المرأة عبر مراحل الحياة تعني أن نرى الصلة والتداخل بين صحة المراهقة وصحة المرأة في منتصف العمر، وبين تجربة الحمل وما يليها من سنوات، وبين الصحة الجسدية والنفسية والإنجابية والجنسية والقدرة على العمل والعيش باستقلال وكرامة. وتعني، أيضاً، ألّا تنتهي مسؤولية النظام الصحي بانتهاء سنوات الإنجاب، وأن تحظى مرحلة عبور انقطاع الطمث وما بعدها بما تستحقه من معرفة ورعاية.

فللمرض ملفّ في كل اختصاص، لكن للمرأة حياة واحدة. وما يبدو في سجلاتنا زيارات متفرّقة، تعيشه هي مساراً متصلاً، تتراكم فيه آثار الرعاية كما تتراكم آثار غيابها. لذلك، ينبغي أن تتواصل رعايتها عند الحدود الفاصلة بين اختصاصاتنا، وأن تجد من يصل فصول قصتها الصحية بعضها ببعض.
في هذا السياق، أتى "إعلان بيروت حول صحة النساء" الذي وقّعناه في ختام المؤتمر برعاية السفيرة سحر بعاصيري سلام ، ليضع أمامنا مسؤولية تتجاوز المناسبة. والتحدّي الآن أن نمنحه صيغة تنفيذية: أولويات معلنة، وشركاء معروفين، وتمويلاً واضحاً، ومواعيد للمراجعة. فالكتابة لا تكفي لضمان الحق، لكنها تمنحه مرجعاً، وتمنح صاحبته أساساً للمطالبة، وتجعل الالتزام قابلاً للمساءلة.
في الطب، لا تنتهي مسؤوليتنا عند كتابة الوصفة؛ نسأل إن كان الدواء متاحاً، وإن كانت المريضة تستطيع شراءه، ثم نتابع الاستجابة. والسياسة الصحية تحتاج إلى الانضباط نفسه: فالإعلان بداية الوصفة، وعلى المؤسسات أن تضمن إمكان تنفيذها، ثم تقيس أثرها في حياة النساء.
لنبدأ من اقتراح بسيط في شكله، عميق في أثره: صفحة واضحة، منشورة ومتاحة، تقول لكل امرأة ما الخدمات التي يحق لها الحصول عليها، وأين تجدها، وما الذي تغطيه الجهات الضامنة، وما قد يترتب عليها من كلفة، وإلى من تتوجّه إذا تعذّر وصولها إلى الرعاية.
لنتخيّل امرأة في عكار أو أم في صور أو فتاة في بعلبك أو حاصبيا أو أي منطقة في لبنان تحتاج إلى متابعة صحية، فتجد أمامها مساراً مفهوماً، بدل أن تبدأ رحلة من الاتصالات والإحالات والنفقات غير المتوقعة. عندها يصبح للإعلان أثر في حياتها. فالمعلومة الواضحة جزء من إتاحة الرعاية، والغموض حاجز أمامها، أشدّ وطأة على الأقل دخلاً والأبعد عن مراكز الخدمات.

ولا يبدأ هذا العمل من فراغ. في لبنان شبكة مميزة من مراكز الرعاية الصحية الأولية، ومستشفيات وجامعات ومؤسسات ضامنة وجمعيات ومنظمات محلية ودولية. لكن وجود هذه الجهات لا يضمن، بذاته، استمرارية الرعاية. ما ينقص في مواضع كثيرة هو وضوح الأدوار، وانتظام الإحالة، ومعرفة حدود التغطية، والقدرة على متابعة المرأة بين خدمة وأخرى.
لا يكفي أن نرسم على خريطة لبنان نقاطاً تدلّ إلى وجود الخدمات؛ علينا أن نرسم الطرق والمسارات التي تستطيع النساء سلوكها للوصول إليها. فالمسافة إلى الرعاية تُقاس أيضاً بالكلفة، والانتظار، والقدرة على مغادرة البيت أو العمل، والثقة بأن باباً سيفتح عند الوصول.

ولكي يصبح الإعلان قابلاً للتنفيذ، أقترح أن تنتظم متابعته في ثلاثة مسارات مترابطة،
أولها، تحديد حزمة أساسية من الخدمات، تبدأ بأولويات قابلة للتحقيق في السنة الأولى، وتتّسع تدريجياً وفق الحاجة والموارد. ولكل خدمة، ينبغي تحديد مكان تقديمها، وشروط الوصول إليها، ومصدر تغطيتها. فحزمة محدودة ومضمونة تبني ثقة لا تصنعها قائمة طويلة من الوعود المعلّقة.
وثانيها، ترجمة الدعم إلى التزامات مؤسسية مكتوبة. تحدّد كل جهة ما تستطيع تولّيه ضمن اختصاصها وأولوياتها، وما ترصده له من موارد، والمدة اللازمة لإنجازه. وحيث تبقى فجوة في التمويل أو التنفيذ، نعلنها ونحدّد مسؤولية العمل على سدّها. فالشفافية تبدأ من الاعتراف بما لم نتمكّن بعد من ضمانه.

وثالثها، إنشاء آلية علنية للمتابعة، بالتعاون مع وزارة الصحة العامة ووزارة الشؤون الاجتماعية وسائر الشركاء، تتضمن مؤشرات قليلة وواضحة: هل أصبحت الخدمة متاحة؟
هل انخفضت كلفتها على المرأة؟ هل تحسّن الوصول إليها خارج المدن الكبرى؟ وهل بلغنا النساء الأكثر حرماناً؟ وتُعرض الحصيلة في مراجعة سنوية، تبدأ في المؤتمر الطبي للشرق الأوسط عام 2027، وتمتد حتى عام 2030.
وفي هذا المسار، لكل طرف مسؤولية. للوزارات دور في اعتماد الأولويات وتنسيقها؛ وللجهات الضامنة واجب توضيح التغطية وحدودها؛ وللجامعات مسؤولية القياس المستقل ونشر النتائج، بما فيها النتائج غير المريحة. وللإعلام دور في جعل صحة المرأة شأناً عاماً حاضراً طوال السنة، بلغة دقيقة تحترم النساء وتصون كرامتهن. أما المجتمع المدني والنساء المعنيات، فمشاركتهن ضرورية في تحديد الأولويات وتقييم الخدمات، ولهن مكان ثابت إلى طاولة القرار.
وتستطيع لجنة المتابعة التي تستضيفها الجامعة الأميركية في بيروت أن تجمع هذه المساهمات، وتوثّق التقدّم والتعثّر، وترفع الحصيلة إلى الحكومة واللجان النيابية. وتستمد هذه اللجنة قيمتها من قدرتها على إبقاء المسؤوليات واضحة، والنتائج متاحة للنقاش العام.

نعرف أن إعلانات كثيرة في بلادنا انتهت بانتهاء مناسباتها. ولذلك، فإن السؤال المشروع هو عمّا سيتغيّر بعد إعلان بيروت. التوقيع تعبير عن التأييد؛ أما التنفيذ فيحتاج إلى مؤسسة تسمّي التزامها، وتخصّص له موارد، وتقبل أن تُسأل عنه. ولا تُطالَب أي جهة بما يفوق قدرتها، لكن صدقية الشراكة تقتضي أن يحدّد كل طرف ما يستطيع إنجازه، وأن يفي به.
بعد عام، ينبغي أن نعود بما يتيح المقارنة: ما الذي وعدنا به؟ ما الذي تحقق؟ وأين تعثّرنا، ولماذا؟ فالمراجعة العلنية تمنح الوعد ذاكرة، وتمنح الناس وسيلة للحكم عليه. ومنها يبدأ أيضاً تصحيح المسار، وتوجيه الموارد إلى حيث تكون الحاجة أشدّ.
في بلد أنهكه الانتظار، نحتاج إلى بداية لها موعد، ومسؤولية لها صاحب، وحقّ تستطيع المرأة أن تجد طريقها إليه.
يحمل الإعلان اسم بيروت، لكن صدقيته ستُختبر بعيداً عن قاعاتها: في بلدة تصلها الخدمة، وفي امرأة تجد كلفة علاجها مغطّاة، وفي موعد لا تضطر إلى تأجيله. هناك يُكتب المعنى الفعلي للإعلان، وهناك يصبح الوعد رعاية.
نبض