الصحّة النفسيّة من الطّفولة إلى الشّيخوخة: تجربة تفاعليّة في BrainEve
قد لا تحتاج العودة إلى الطفولة إلى آلة زمن؛ فأحياناً، تكفي قطعة قماش قديمة، أو لعبة منسية، أو حتى سكاكر من زمن مضى، من "الطربوش" إلى علكة المستكة و"الأونيكا" وبسكويتة الدبكة، لتعيد إلى الذاكرة سنوات كاملة بتفاصيلها ومشاعرها. لحظات وتفاصيل اعتدناها في طفولتنا، وقد لا نستحضرها اليوم، لكنها تختزن حكايات وذكريات أسهمت في تشكيل شخصياتنا وبناء ما نحن عليه اليوم.
لكنّ ما يصنع الإنسان لا يقتصر على ذكريات طفولته؛ فالعائلة التي ينشأ فيها، والعلاقات التي يبنيها، والتجارب التي يمرّ بها على امتداد حياته، تتداخل جميعها في تشكيل شخصيته. ومن هذا المنطلق، قدّمت أمسية BrainEve التي نظّمتها Brain Station Clinics مقاربة تفاعلية للصحة النفسية، لم تقتصر على المحاضرات والنقاشات التقليدية، بل أتاحت للحاضرين المشاركة في تجربة تستكشف مراحل الحياة وتفتح المجال أمام الأسئلة والتأمّل وتبادل الخبرات.
د. كريستينا رياشي: حين يصبح الجمهور جزءاً من التجربة
ترى الدكتورة كريستينا رياشي، الاختصاصية النفسية ورئيسة مجموعة Brain Station Clinics، أن ما يميّز BrainEve هو انتقالها بالصحة النفسية من إطار المحاضرات والنقاشات إلى تجربة يعيشها الحاضرون ويشاركون في تفاصيلها.

"أردنا أن تكون الصحة النفسية تجربة يعيشها الناس، لا مجرّد معلومات يستمعون إليها".
فبدل أن يبقى الاختصاصيون خلف الشاشات أو في موقع المتحدّث أمام الجمهور، جمعت الأمسية الطرفين في مساحة واحدة، تتيح تبادل الخبرات والقصص، وطرح الأسئلة بوضوح وشفافية. والمقصود هنا ليس تقديم المعلومات فحسب، بل فتح المجال أمام الناس للتفاعل معها وربطها بتجاربهم الشخصية، بما يجعل النقاش أقرب إلى الحياة اليومية وأكثر اتصالاً بما يواجهونه فعلاً.
ثلاث غرف… وثلاث زوايا لفهم التجربة الإنسانية
جسّدت الأمسية هذه الفكرة من خلال ثلاث غرف، حملت كلّ منها مدخلاً مختلفاً إلى مراحل الحياة وما تحمله من ذكريات وأسئلة وتحديات.
في غرفة Childhood، أعادت ألعاب وأغراض قديمة المشاركين إلى سنواتهم الأولى. واستحضار ذكريات الطفولة لم يكن مجرّد عودة إلى الماضي، بل مناسبة للتفكير في أثر التجارب المبكرة والبيئة العائلية في تشكيل الشخصية؛ فبعض التفاصيل التي تبدو صغيرة في حينها قد تترك أثراً يمتدّ إلى مراحل لاحقة من العمر.

أما غرفة Ageing، فشكّلت محطة للتأمّل في التقدّم في العمر والمراحل التي ينتقل بينها الإنسان، فيما تحوّلت غرفة Mystery إلى مساحة تفاعلية للحوار مع الدكتورة كريستينا رياشي حول التحديات النفسية. وشارك بعض الحاضرين قصصاً وتجارب شخصية، لتتجاوز الأمسية حدود الاستماع إلى الاختصاصيين، وتفسح المجال أمام أسئلة تنبع من التجربة الفردية نفسها.

د. دينا رومية: ما الذي يشكّل شخصية الطفل منذ بداياته؟
تناولت الدكتورة دينا رومية، اختصاصية الجراحة النسائية والتوليد، أثر البيئة المحيطة بالطفل منذ فترة الحمل، بما في ذلك الأصوات، وصولاً إلى دور الأسرة وطريقة تفاعل الوالدين بعضهما مع بعض ومع أطفالهما في تكوين شخصية الطفل خلال أشهره وسنواته الأولى.
"تبدأ رحلة الطفل قبل ولادته، وتؤدّي البيئة التي ينشأ فيها دوراً أساسياً في نموّه وتشكّل شخصيته".
وتسلّط هذه المقاربة الضوء على أهمية المراحل المبكرة في حياة الإنسان، وعلى الدور الذي تؤدّيه البيئة الأسرية في نموّه، ليس فقط من خلال الرعاية المباشرة، بل أيضاً عبر طبيعة العلاقات والتفاعلات التي يشهدها داخل المنزل.
وشدّدت رومية على أهمية الصحة النفسية للأم خلال فترة الولادة وما بعدها، وضرورة الانتباه إلى التغيّرات التي قد تمرّ بها، بما فيها ما يُعرف بـ"اكتئاب ما بعد الولادة" (Baby Blues)، وعدم إهمال المؤشرات التي قد تستدعي المتابعة. فالعناية بالأم في هذه المرحلة ليست مسألة منفصلة عن محيطها، بل جزء من الاهتمام بالبيئة التي ينمو فيها الطفل.

شارلوت الخليل: بين الوعي النفسي والمعلومات المضلّلة
مع الانتشار الواسع للمحتوى النفسي على وسائل التواصل الاجتماعي، تناولت شارلوت الخليل، المعالجة النفسية ورئيسة لجنة الأخلاقيات في نقابة النفسانيين في لبنان، مسألة الأشخاص الذين يقدّمون أنفسهم بوصفهم معالجين نفسيين من دون امتلاك الاختصاص أو المؤهلات اللازمة.
"ليس كلّ من يتحدّث عن الصحة النفسية مؤهّلاً لتقديم الإرشاد النفسي؛ فالمعرفة وحدها لا تغني عن الاختصاص والمسؤولية المهنية".
وفي وقت باتت فيه النصائح النفسية متاحة بكثرة عبر المنصات الرقمية، تبرز أهمية التمييز بين المحتوى التوعوي والممارسة المتخصصة، وبين مشاركة تجربة شخصية وتقديم نصيحة قد تؤثّر في قرارات الآخرين وحياتهم. فسهولة الوصول إلى المعلومات لا تعني بالضرورة موثوقيتها، كما أن الحديث عن الصحة النفسية يحمّل صاحبه مسؤولية تتجاوز جذب الانتباه أو تحقيق الانتشار.
وفي هذا السياق، شدّدت الخليل على ضرورة التحقّق من مؤهلات مقدّمي النصائح النفسية، مشيرةً إلى موقع نقابة النفسانيين في لبنان، lopsy.org، للاستعلام عن أسماء الاختصاصيين المسجّلين لديها.

د. حسين درويش: المزاج السيئ والاستشارات النفسية في عصر الذكاء الاصطناعي
تحدّث الدكتور حسين درويش، جرّاح الدماغ والأعصاب والعمود الفقري، عن أساليبه في التعامل مع المزاج السيء، ومنها المشي وممارسة الرياضة وزيارة الأماكن التي يحبّها ويشعر فيها بالراحة.
كما تناول سلبيات اللجوء إلى الذكاء الاصطناعي للحصول على استشارات نفسية، ولا سيما في العلاقات الإنسانية، حيث تتداخل المشاعر والظروف والتجارب الشخصية، ويصعب اختزال تعقيداتها في إجابات سريعة أو عامة.
"العلاقات الإنسانية أكثر تعقيداً من أن تُختصر في إجابات جاهزة؛ ففهمها يحتاج إلى قراءة المشاعر والظروف والسياق".
فالأدوات الرقمية قد تقدّم معلومات أو اقتراحات، لكن التعامل مع التجارب الإنسانية يتطلّب الانتباه إلى السياق والتفاصيل التي قد تغيّر فهم الموقف من أساسه.
وتطرّق هذا المحور إلى حدود الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في مسائل تمسّ المشاعر والعلاقات، وأهمية عدم التعامل مع إجاباته بوصفها بديلاً من التقييم المتخصص عند الحاجة.
ورأى درويش أن قيمة BrainEve تكمن في كونها لقاءً مباشراً يجمع الاختصاصيين والمهتمين والطلاب، ويتيح تبادل المعرفة والخبرات وطرح الأسئلة، بدل الاكتفاء بحملات التوعية عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

الصحة النفسية ليست معلومة نعرفها، بل تجربة نفهمها
من ذكريات الطفولة وأثر البيئة العائلية، إلى الصحة النفسية للأم، ومسؤولية تقديم النصائح النفسية، وحدود الاستعانة بالذكاء الاصطناعي، جمعت BrainEve محاور متعدّدة تتقاطع عند سؤال واحد: كيف نفهم الإنسان في مراحل حياته المختلفة، وما الذي يترك أثره في تكوينه وطريقة تعامله مع العالم؟
لم تكن قيمة الأمسية في تنوّع الموضوعات وحده، بل في الطريقة التي قُدّمت بها؛ إذ انتقلت من الاكتفاء بعرض المعرفة إلى إشراك الحاضرين في استكشافها وربطها بتجاربهم. وبين ذكرى تستعيدها لعبة قديمة، وسؤال يطرحه تحدٍّ نفسي، ونقاش يفتح زاوية جديدة للفهم، تبرز أهمية المساحات التي لا تقدّم إجابات جاهزة فحسب، بل تشجّع الإنسان على التوقّف أمام تجربته، وفهمها، ومعرفة متى يحتاج إلى الاستعانة بأهل الاختصاص.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ماذا كشفت معلومات "النهار"؟
نبض