أجساد تحت المقصلة الرقمية: هل تحوّلت وسائل التواصل إلى نقيض مباشر للصحة النفسية؟
يعيش أفرادٌ كثيرون سلوكيات غذائية مضطربة تنشأ في أعماق النفس وتتغذّى جميعها من نزوعٍ إنساني أزلي نحو مجاراة معايير الجمال والكمال.
لكنَّ الخطورة اليوم لم تعد محصورة بالتنبيه النظري التقليدي الذي توالى في الأدبيات الصحافية، إذ استحالت منصات التواصل الاجتماعي كأنَّها نقيضٌ مباشر للصحة النفسية وخصمٌ يُزيحها عن عرشها ليحلّ محلها ويعبث باستقرارها.

المقارنة الاجتماعية والتشيّؤ الذاتي
يُفسّر الاختصاصي النفسي جورج صالح ومستشار الذكاء الاصطناعي في الصحة النفسية هذه الظاهرة من خلال نظرية المقارنة الاجتماعية التي تدفع الإنسان إلى تقييم نفسه قياساً بالآخرين. ومع وسائل التواصل الاجتماعي، اتّسعت هذه المقارنات لتشمل الجسد، الوزن ونمط الحياة، استناداً إلى صورٍ منتقاة ومعدّلة تُقدَّم بوصفها نماذج للكمال.
تُؤدّي الفلاتر والتعديلات الرقمية دوراً محوريّاً في هذه العملية، إذ يتلقّى الفرد الصورة الرقمية بوصفها حقيقة واقعة، رغم عدم عكسها للمظهر الفعلي لصاحبها، ما يخلق موازنةً غير متكافئة بين الجسد الحقيقي والنموذج المثالي.
يرتبط ذلك بـِ "التشيّؤ الذاتي "Self-Objectification"، بحيث يبدأ الفرد بالنظر إلى جسده من منظور خارجي يخضع لمراقبة الآخرين وتقييمهم، فيتحوّل سؤاله من الراحة والطاقة الداخلية إلى مدى قبوله اجتماعياً، لتتراجع أهمية التجربة الجسدية الذاتية لحساب التركيز المفرط على المظهر الخارجي.
يترافق هذا المسار مع "الوعي الزائف" False Awareness، إذ يوضح صالح أنَّ الإنسان يتبنّى معايير مجتمعية ويتعامل معها اقتناعات ذاتية، فيرى مثلاً في العضلات البارزة أو الجسد الرياضي دليلاً على الانضباط والنجاح، متأثراً بالرسائل الرقمية المتكررة التي تدمج السعي للشكل الجسدي بمفاهيم الإنجاز والقبول الاجتماعي.
المراهقون والبحث عن الهوية والانتماء
تشتدّ هذه الآثار لدى المراهقين، في مرحلة تُشكّل الهوية، ويلفت إلى أنَّ تقليد المؤثّرين لا يقف عند الإعجاب بالشكل، بل ينبع من الحاجة للانتماء وبناء الذات، خصوصاً لدى من يُعانون ضعفاً في تقدير الذات. عندها يتحوّل المؤثّر إلى نموذجٍ يُحاكى في مظهر السلوك ونمط الحياة. ويُنوّه الاختصاصي النفسي بأنَّ هذا التماهي ليس سلبياً مطلقاً بل تتحدّد نتيجته بمدى واقعية النموذج المختار ومساهماته في تطوير الأنا.

صورة الجسد ومعايير الجمال الرقمية
عن هذا الأمر، يُجيب أنَّ عدم الرضا لا ينشأ عن تغيير فعلي في الوزن، بل عن ارتفاع المعيار المُستخدم لتقييم الجسد بفعل التعرّض المستمر للصور الرقمية.
ويُشير إلى أنَّ آلية المقارنة نفسها تنسحب على جوانب اجتماعية أخرى، كارتفاع تكاليف حفلات الأطفال وأنماط الإنفاق الشائعة، فالحاجات الداخلية لم تتغيّر، إنَّما ارتفع المقياس الاجتماعي لما هو مقبول وينطبق ذلك تماماً على الجسم: كلّما ارتفع سقف معايير التألّق، زاد الشعور بعدم الرضا حتى لو بقي هو على حاله.
البعد العصبي والنفسي للمقارنة الرقمية
يشرح أنَّ القياس المتداول يتداخل مع معالجة الدماغ للمعلومات، إذ تتفاعل القشرة أمام الجبهية "Prefrontal Cortex" المسؤولة عن التحليل والتفكير العقلاني مع اللّوزة الدماغية "Amygdala" المكلّفة معالجة المشاعر والاستجابة للخوف والتهديد.
عند الشعور بتهديد التقدير الذاتي، تُفسَّر الصور المثالية كدليل نقص شخصي بدل إدراكها كصور معدّلة غير واقعية، ما يزيد الحساسية والتوتر النفسي والجسدي.
إستناداً إلى نظرية التناقض بين صور الذات "Self-Discrepancy Theory"، تُميّز بين الذات الفعلية، المثالية والواجبة أيّ المجتمعية، وتتّسع الفجوة بين هذه الصور مع التعرّض المتواصل للمحتوى الرقمي، ما يُولّد قلقاً وإحباطاً مستمرين حتى عند تحقيق بعض الأهداف.
يتحوّل ذلك إلى حلقة سلوكية تُعزّزها آليات التعلّم والمكافأة المرتبطة بالدوبامين والإشعارات الرقمية.
كذلك يُبيّن صالح أنَّ الانشغال بالطعام لا يهدف دائماً لتقليل الوزن، بل قد يُصبح وسيلة نفسية فرض قواعدها لاستعادة السيطرة عند مواجهة القلق أو ظروف الحياة غير المستقرّة.
هنا تعمل آليات التعزيز النفسي:
التعزيز الإيجابي "Positive Reinforcement": الشعور بالإنجاز أو المديح بعد الالتزام الغذائي.
التعزيز السلبي "Negative Reinforcement": التقييد الغذائي لتخفيف التوجّس موقّتاً، ممّا يُدخل المرء في حلقة دوريّة من الضيق والتنظيم القهري للطعام.
في المقابل، يلجأ آخرون إلى الأكل العاطفي "Emotional Eating" كمخرج للضغوط والمشاعر السلبية، لتعقّبه الذنب، الضيق وتجدّد الحلقة وفي الحالتين تبتعد العلاقة بالطعام عن الحاجة الجسدية ليتحوّل إلى أداة لتنظيمها.
وعدّد أبرز مؤشّرات العلاقة المضطربة بالطعام: الخوف المفرط من زيادة الوزن، المراقبة القهرية للجسد أمام المرآة، عبر الفلاتر والسلوكيات التعويضية كالصيام المفرط أو التقيّؤ.
ويكمن الفارق في المرونة والدوافع، متسائلاً: "هل الشخص هو الذي يتحّكم بخياراته الغذائية أم أنَّ قواعد الطعام هي التي تتحكم بحياته؟".
ويُنبّه إلى أنَّ التصلّب النفسي والعزلة الاجتماعية وتجنّب المناسبات خوفاً من مخالفتها تتحوّل خطراً يستدعي التقييم المتخصّص، كما في اضطرابي فقدان الشهية العصبي "Anorexia Nervosa" والنهام العصبي "Bulimia Nervosa" اللّذين يشتركان في ربط القيمة الذاتية بالشكل الخارجي والتأثّر بالتنمّر والتجارب الأسريّة والمجتمعية.
يتأثّر الجسد بعوامل وراثية وبيولوجية تجعل استجابته للحميات مختلفة، ما يجعل الانسياق وراء خلطات سحرية كشراب الزنجبيل واللّيمون على منصات مثل "تيك توك" و"فيسبوك" أمراً غير صحي.
كما يُحذَّر من وهم ربط الرضا ببلوغ وزنٍ محدّد، إذ غالباً ما يتّضح أنه هدفٌ متحرّك يجعل الاستقرار النفسي أمراً مستحيلاً.

الرياضة كعقاب وتراجع المرونة الاجتماعية
وينتقد صالح المحتوى الرقمي الذي يربط الرياضة بتعويض الطعام أو عقاب الكيان، مشدّداً على التمييز بين التمارين التنافسية وتوظيفها القسري في الحياة اليومية، خصوصاً في ظلّ ظروف العمل والتنقّل المجهِدة بلبنان.
ويخلص إلى أنَّ خطورة المحتوى الرقمي تكمن في استنزافه المرونة النفسية والعلاقات الاجتماعية، ليتحوّل البقاء في المنزل ومراقبة الجسد إلى قيدٍ يُحرم الفرد بهجة التواصل الإنساني ومتعة الحياة.
مهما تعدّدت الشروح، قد لا يَعي الجميع عمق المشكلة، فبين من يندهش ومن لا يحفل، تبقى الحاجة ملحّة الى توعية دائمة تخترق وعي الناس حتى تترسّخ. ويا ليت ذاك اليوم يأتي لنُخفض من سطوة هذه المنصات، فنترك للمنابر الإعلامية نقاء رسالتها.
التغيير لا يُصنع بالأماني، فيما تُدهس أرواحنا تحت وطأة "إعجاباتهم" الافتراضية.
أمام هذا النزيف الرقمي وغياب الإصلاح الجذري، يغدو لجم هذه المنصات أو علاج الأرواح المنهكة، ضرورة قصوى لاستعادة بشر أضناهم الركض خلف السراب.
نبض