بعد السّرطان: كيف تستعيد المرأة ثقتها بجسدها وأنوثتها؟
فرانسيسكا موسى
قد ينتهي علاج سرطان الثدي، وتعود المرأة إلى حياتها، ويصفّق من حولها لنجاتها، لكن داخلها قد تبقى معركة لا تظهر في الصور ولا في الفحوصات.
فبعد السرطان، لا تواجه المرأة خوف المرض فقط، بل جسداً تغيّر، ومرآة قد تبدو غريبة، وأنوثة تحاول أن تعيد تعريفها بعيداً عن الندوب وما فقدته.
الشفاء هنا ليس نهاية القصة، بل بداية رحلة أكثر هدوءاً وصعوبة: أن تتصالح المرأة مع جسدها، تستعيد ثقتها بنفسها، وتبني علاقتها بذاتها من جديد، بعدما غيّر المرض الطريقة التي ترى بها نفسها وحياتها.

حين ينتهي العلاج… ولا تنتهي المواجهة
لكن الشفاء الجسدي لا يمحو دائماً آثار التجربة النفسية. توضح الاختصاصية النفسية ناديا كتوب أن انتهاء العلاج لا يعني بالضرورة انتهاء المعركة النفسية مع السرطان، بل قد يكون بداية مرحلة جديدة من المواجهة. فالمرأة لا تعود فقط إلى حياتها، بل تعود إلى جسد قد لا تتعرّف إليه كما في السابق.
جراحة، ندوب، فقدان الشعر، تغيّر في الوزن أو في ملامح الجسد، كلها تفاصيل قد تترك أثراً عميقاً في صورتها عن نفسها. وقد تصبح المرآة التي كانت يوماً جزءاً عادياً من الحياة اليومية، مساحة لمواجهة أسئلة جديدة: من أنا الآن؟ هل ما زلت أرى نفسي كما كنت؟ وهل تغيّر جسدي غيّر نظرتي إلى أنوثتي؟ ومن حق المرأة أن تحزن، أن ترتبك، وحتى أن تغضب، بدل أن يُطلب منها أن تتقبّل كل ما حدث بسرعة لمجرد أنها "شُفيت". فالنجاة لا تلغي الألم، ولا تعني أن عليها أن تكون قوية وممتنة طوال الوقت.

أن تتعلّم المرأة أن ترى نفسها من جديد
وهنا تبدأ رحلة مختلفة: استعادة العلاقة مع الذات. ترى كتوب أن هذه العملية لا تحدث دفعة واحدة، بل تبدأ حين تفصل المرأة قيمتها عن شكل جسدها، وعن الندبة أو تساقط الشعر أو صفة "ناجية من السرطان". فهي ليست ما تركه المرض على جسدها، بل إنسانة مرّت بتجربة قاسية وتحتاج إلى الوقت كي تستعيد إحساسها بالأمان والهوية والسيطرة على حياتها.
وقد لا يكون التحدي في تقبّل التغيير الجسدي وحده، بل في العودة إلى تفاصيل الحياة التي كانت تبدو عادية قبل المرض. الخروج، العمل، العلاقات، وحتى العلاقة مع الشريك قد تحمل أسئلة جديدة حول الثقة والجسد والحميمية. أحياناً، يصبح الخوف من أن يرى الآخر ما تغيّر في الجسد أقوى من الخوف من الندبة نفسها.

كما قد تستمر هذه الرحلة في صورة خوف من عودة المرض، قلق مع كل فحص، أو شعور بالعزلة عندما يتوقع منها المحيط أن تعود إلى حياتها الطبيعية وكأن شيئاً لم يحدث. وهنا قد تشعر المرأة بأنها عالقة بين صورتين: امرأة نجت في نظر الآخرين، وامرأة لا تزال تحاول استيعاب ما عاشته في داخلها. لذلك، تقول كتوب إن الهدف ليس أن تعود المرأة بالضرورة إلى الشخص الذي كانت عليه قبل السرطان، بل أن تبني علاقة جديدة وأكثر رحمة مع نفسها، وأن تستعيد تدريجياً قدرتها على الاستمتاع بالحياة.
وطلب الدعم النفسي ليس علامة ضعف، بل جزء من التعافي، خصوصاً عندما يصبح الخوف أو الحزن أو تغيّر صورة الذات عبئاً يصعب حمله وحدها.
فالشفاء لا يعني أن تنسى المرأة ما مرّت به، بل أن تتعلّم أن تعيش بعده من دون أن يختصرها المرض. قد تبقى الندوب وبعض المخاوف، لكن تبقى أيضاً فرصة لبناء علاقة جديدة مع الذات، لا تقوم على ما فقدته المرأة، بل على ما لا تزال تملكه: حياتها، هويتها، وقدرتها على البدء من جديد.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ما سبب عدم التزام الموعد المحدد في الشهر الحالي؟ وهل من موعد جديد؟
نبض