"صوت التوحّد" ... مبادرة ولدت من تجربة أم وتحوّلت إلى رسالة مجتمعيّة
تخوض الأمهات غمار تحدّيات كبيرة حين تتقاطع مسارات حيواتهنَّ مع اضطراب طيف التوحّد، ليتحوّل المشهد اليومي برمّته إلى رحلة مضنية من الصبر والمقاومة.
في لبنان، حيث تتقاطع وطأة الأزمات المعيشية مع غياب الدعم المؤسّساتي الفاعل، تبرز المبادرات الفردية لتتحوّل إلى قضايا عامة تنبض بوجع المجتمع وحقائقه.
من قلب المعاناة المعاشة والخبرة الشخصية المؤلمة، وُلدت جمعيّة "صوت التوحّد" على يدّ المحامية ديالا يحيى، لتكون منبراً للأهالي، وفضاءً داعماً لهم في مسيرتهم نحو دمج أطفالهم في المجتمع وصون كرامتهم.

صدمة التشخيص المبكر لاضطراب طيف التوحّد وتعدّد أدوار الأم
بدأت حكاية يحيى عندما بلغ ابنها حليم عامه الثالث وتلقّى التشخيص الأوّل بطيف التوحّد. لم تكن هذه الرحلة مجرّد محطة عادية بل مساراً متمادياً مليئاً بالعقبات، والتعب واستمرار المواجهة.
الأم التي يُشخَّص لدى طفلها اضطراب طيف التوحّد تجد نفسها، من دون خبرة سابقة، أمام أسئلة كثيرة ونظرات مجتمعيّة قاسية، فتضطر إلى أداء أدوار متعدّدة، فهي الطبيبة، الممرضة، المرشدة الاجتماعية والمدافعة عن حقوقه.
ومن رحم هذه التجربة الفردية التي جرى تعميمها لتُصبح همّاً مجتمعياً، تأسّست جمعية "صوت التوحّد" لتكريس مفاهيم التقبّل، التوعية والدمج ضمن منظومة رعاية متكاملة.
التحدّيات اليومية في تربية الطفل المصاب بطيف التوحّد
تُؤكّد يحيى أنَّ طيف التوحّد ليس مجرّد إعاقة تقليديّة بل هو اضطراب يفرض واقعاً يقلب حياة العائلة رأساً على عقب 24 ساعة يومياً، وسط خوف مستمر وقلق دائم على سلامة الطفل.
وتُشير بحسرة إلى المفارقة الموجعة حين يُقال للأهالي: "ابنكُم منّو مبيّن عليه التوحّد"، متجاهلين حجم الجهد الهائل المبذول خلف الكواليس لتعليمه أبسط المهارات اليومية، كالإمساك بالملعقة، فتح الباب، ارتداء الثياب، الاستحمام وغيرها.
تتغيّر مع هذه المعاناة أولويات الأهل ودعواتهم لتُصبح الأمنية الأغلى هي مرور النهار بسلام أو سماع كلمة "ماما" لأوّل مرّة، عوضاً عن الأفراح التقليدية.
النشاطات الميدانية لجمعيّة "صوت التوحّد"
في إطار سعيها الحثيث لنشر ثقافة الدمج التي تبدأ بالأساس من المدارس، أطلقت الجمعيّة نشاطات تفاعليّة أبرزها نشاط سيُقام في الثالث من شهر تشرين الأول/أكتوبر 2026، فيما استهدف طلاب المدارس عبر رسم شعار الجمعيّة للتعبير عن نظراتهم إلى التوحّد.
اللافت أنَّ الفائز بالمسابقة كان طفلاً يُعاني من اضطراب فرط الحركة وتشتّت الانتباه "ADHD"، في مصادفة جميلة كرّست فكرة تقبّل الاختلاف وقدرات الإنسان بعيداً عن التنمّر.
على الصعيد العملي الميداني، تعمل على تأمين بطاقة تعريف خاصة بالمتوحّد تتضمّن اسمه، فئة دمه ورقم هاتف أحد الوالدين، لتكون جاهزة وفق منهجيّة وآليّة تُصدرها تحسّباً لأيّ طارئ إذا غادر المنزل ولم يجد طريقه للعودة.
ثغرات القانون اللّبناني ومطالب تشريعات طيف التوحّد
من الزاوية القانونية والتشريعية، تُقارب يحيى الواقع بخلفيّة حقوقيّة وبحثية دقيقة، مشيرةً إلى أنَّ القانون اللّبناني رقم 220/2000 المعني بذوي الإعاقة بات قاصراً عن مواكبة الطبيعة الحقيقية للاضطراب.
فالتوحد في جوهره ليس مجرّد "إعاقة" تقليديّة بل هو اضطراب مركّب يُولّد عجزاً تاماً عن إدارة تفاصيل الحياة اليومية بمعزل عن الرعاية المستمرّة. من هنا، تنطلق المطالب الحقوقية للجمعيّة في اتّجاهات أساسية:
تصنيف الدرجات ومعايير الدعم المالي: تُنادي بضرورة تعديل المقاربة الرسمية للتشخيص عبر اعتماد تصنيف علميّ دقيق لدرجات طيف التوحّد (الشديد، المتوسّط والخفيف).
وترى يحيى أنَّ "من غير المنطقي ولا العادل مساواة الدعم المالي والرعاية الاجتماعية المقدّمة لمن يُعاني من توحّد شديد بتلك المخصّصة لحالة خفيفة أو متوسّطة؛ فلكلّ مرحلة استحقاقاتها المادية واللّوجستية الصارمة".
تخفيض ساعات العمل للأهالي: استلهاماً للتجارب المقارنة كنموذج دول الخليج التي تُوفّر مظلات دعم متكاملة، تشمل تأمين ممرّضين للأسر، تسهيلات ماليّة وقروضاً سكنية، تطرح الجمعيّة ضرورة تشريعيّة ملحّة تتمثّل في تخفيض ساعات العمل الرسمية لأهالي أطفال التوحّد.
فالعناية بهؤلاء الأطفال لا تنقطع لدقيقة واحدة والجمع بين متطلّبات الإنتاج الوظيفي ورعاية طفل توحّدي يُمثّل عبئاً نفسياً واجتماعياً هائلاً.
إصلاح منظومة الدمج المكتوب: إنَّ النصوص القانونية وحدها لا تكفي إن ظلّت حبراً على ورق، فالمدارس اللّبنانية بمعظمها تفتقر إلى البنى التحتية المؤهّلة والكوادر البشرية المتخصّصة القادرة فعليّاً على استيعاب الطلاب ضمن مسار الدمج الحقيقي.
الرؤية المستقبليّة والشراكة المجتمعيّة لدمج أطفال التوحّد في لبنان
تلفت مُؤسِّسة المنظّمة إلى أنَّ الدمج والتقبّل مسؤوليّة جماعيّة تتطلّب تضافر جهود كل القطاعات، المؤسّسات والبلديات، كما تطمح مستقبلاً إلى:
- إشراك القطاع الخاص عبر تحديد ساعات هادئة ومساحات آمنة للأطفال ليتمكّنوا من اللّعب أو ارتياد المطاعم مع عائلاتهم من دون خوف.
- تجهيز غرفة حسيّة مدمجة بألعاب وآلات موسيقية تُساعدهم على الاندماج والتعبير من خلال الموسيقى إلى جانب توفير مساحة آمنة ومريحة للأطفال والأهالي.
- نشر الوعي القانوني بحقوقهم وتمكين الأسر من مواجهة التحدّيات الكبرى.

تُظهر أحدث الإحصاءات الرسمية الصادرة عن مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها "CDC" ومنظّمة الصحة العالمية إلى أنَّ طفلاً واحداً من كلّ 31 يُشخّص لديه اضطراب طيف التوحّد عالمياً؛ وهي نسب تصاعدية تدقّ ناقوس الخطر، وتضع النظم الصحية والتربوية أمام مسؤوليات جمّة.
وتتقاطع هذه الأرقام المقلقة مع واقعٍ معيشي صعب وغيابٍ واضح للدعم الرسمي، فتُصبح صرخة ديالا يحيى وجمعيّة "صوت التوحّد" دعوةً لا يُمكن تجاهلها. فطيف التوحّد ليس قضية فرديّة أو أرقام عابرة في تقارير إحصائيّة بل هو المحك الحقيقي لقياس إنسانية المجتمعات وعدالة قوانينها.
وبينما تترك الدولة العائلات تُواجه مصيرها الفردي بلا دعم، يبقى الأمل معقوداً على المبادرات الواعية والسياسات الجادّة لبناء بيئة تعترف بأنَّ الاختلاف غنى وأنَّ كلّ طفل يستحقّ يداً تمتد إليه بالحبّ والتقبّل لا بالشفقة والتهميش.
نبض